المركز المغربي لحقوق الإنسان ببني ملال
نهج التطامن وعراب المخزنة
بقلم عمر كوسر
عندما سطع إسم المركز المغربي لحقوق الإنسان إبان الإنتفاضة المجيدة لإفني الشامخة، استبشرنا ميلاد إطار حقوقي عله يغني الكفاح الجماهيري عطاء، خاصة في وقت ترهلت فيه أغلب الإطارات المحسوبة على أنها ديمقراطية. غير أن الإتجاه العام الذي سلكه فرع المركز ببني ملال يشكل حالة شاذة، لا عن النموذج الباعمراني الأول، ولا بمعنى خمول إلى انعدام أنشطة له وتطامن خطابه. بل، وهنا مكمن داء الإنحراف عن منهجية النضال الحقوقي، اندراجه في تأدية خدمات تصب في التغطية عن الخروقات الفظيعة للسلطات المخزنية، بارتضاء دور الإطفائي في تطويق احتجاجات الجماهير، ودفعها إلى فك نضالاتها على أنه الأسلم لمصالحها وأضمن.
إذا انتقلنا من التجريد نحو التخصيص، أوقفنا الشكل الذي تعامل به عصبة المركز ببني ملال مع احتجاجات سكان تاكزيرت حول مياه السقي تازروالت، التي تنهب لصالح ضيعة تازروالت المملوكة من طرف إحدى الأميرات. وهو ما فجر نضال الفلاحين الصغار وعوائلهم لإنتزاع حقهم في الماء وفرض تقسيم عادل له، ضد القسمة الضيزى التي تكرس الإستئثار والتفرد بالحصة الأكبر المفروضة بحراب السلطة ونفوذها؛ ليبلغ الشطط والقهر مداه باعتقال ممثلي السكان الأحد عشر كرهائن، لردع احتجاج الفلاحين وابتزازهم لإعادة الحالة إلى ما كانت عليه. رد الفعل العادي والطبيعي الذي قام به سكان تاكزيرت في الرفع من وثيرة احتجاجهم أمام المحكمة الإبتدائية لبني ملال، ومن ثم التلويح بمسيرة واعتصام أمام مقر ولاية جهة تادلة -أزيلال، وحجم الإحتضان والتضامن الذي لقيه من إطارات تقدمية؛ كل ذلك مؤشر على أن المعركة في الإتجاه الصحيح لإطلاق سراح الرهائن وفرض توزيع عادل للماء.
عوض الإنخراط في هذا الزخم النضالي بدعم الفلاحين الصغار والإنتصار لقضيتهم العادلة والمشروعة، تسلل عصبة المركز في غفلة من الزمن وتجندوا لضخ دعاية مسمومة لنسف هذا المد. وهم الذين لم يصدروا إلى يوم الناس هذا موقفا صريحا مما حدث ويحدث في هذه الواقعة من إعتقال أو سطو على المياه، فلم يكلفوا أنفسهم إصدار ولو كلمة واحدة تفيد إدانة الإجرام السلطوي، أو تعبر عن دعم ومساندة إحتجاجات سكان تاكزيرت؛ إنما ارتضوا لأنفسهم دور الوسيط وساعي البريد كما عبروا بلا خجل في مراسلتهم إلى والي الجهة. وبغض النظر عن شكل وأسلوب المراسلة الذي يمتح من معجم مخزني يعود إلى عصور الظلام: (سلام تام بوجود مولانا الإمام، سيدي...)، حتى إنهم بدل اعتماد المرجعية الكونية لحقوق الإنسان وشموليتها في تنمية وعي الضحايا المحتجين ركنوا إلى الطروحات الميتافيزيقية (الفاتحة)، كأن الصراع يخاض ضد العفاريت‼
المسألة لا يمكن إرجاعها أو حصرها في كون هذه العصبة مبتدأة وحديثة عهد بالنضال، أو عديمة الخبرة والتجربة، بل يتجاوزه ويتعداه إلى خيارات تتساوق مع الهاجس الأمني وتتناغم مع المنظور السلطوي للدولة، في الإرتياب من حركة الجماهير والذعر من احتجاجاتها. إذ بدل الإنخراط الميداني في معمعان نضالها والإنحياز المبدئي لعدالة قضيتها، نجدهم يصطفون بنشوة كطابور خامس لإطفاء جذوة حماسها وتثبيط عزيمتها واحتجاجها. منتشين بدور الوسيط كأننا أمام بعثة أجنبية أو دورية لذوي القبعات الزرق تفترض لنفسها الحياد!
إن موقع اللاموقع -أو موقع الصفر- الذي لا وجود إلا بالوهم، هو موقع رجعي يخدم الجلاد ويسحق الضحية. إذ الوساطة تفترض حيادا عن طرفي الصراع، وهو ما يضفي في هذه الحالة تماثلا بين السلطة مصدر الخرق وسكان تاكزيرت موضوع الخرق، والنتيجة الحتمية لهذا المعيار المختل هو مصادرة العدل والتناصف الذي ينشده الضحايا.
لست أريد من هذه الملاحظات أن أدفع عصبة المركز ببني ملال أن يلتزموا بخط نضالي معين، بل نقدي هو ضد توظيفهم لعنوان حقوقي في أهداف أبعد ما تكون عن حقوق الإنسان. وإذا كانت ثقتهم بالجماهير ضعيفة فحري بهم أن لا يسخروا أنفسهم لعرقلة نضالاتها. فاستقراء تاريخ نضال شعبنا يقول: أن الإحتجاج لن يكلفنا أكثر مما كلفنا الصمت. وأهنئ في الختام معتقلي تازروالت على انتزاع حريتهم.
كتبها الشبيبة الطليعية في 04:12 مساءً ::
لا يوجد تعليق


الاسم: الشبيبة الطليعية




