مدونة "الطريق"في افق الافراج عن جريدة الطريقسكريبت المقالات - الاصدار الثاني


 

 

 

 

الظاهرة الأصولية والعوامل الموضوعية والذاتية لبروزها

كتبهاالشبيبة الطليعية ، في 29 سبتمبر 2009 الساعة: 23:13 م

 

الظاهرة الأصولية والعوامل الموضوعية والذاتية لبروزها
 

 

كلمة الأخ عبد الغني بوستة السرايري
في المهرجان الدولي للأحزاب الثورية ببروكسل
مايو 1994

 
أصدقائي الأعزاء
أشكر حزب العمل البلجيكي على الدعوة الكريمة التي وجهها لحزب الطليعة للمشاركة في هذه التظاهرة النضالية الدولية الهامة، وباسم مناضلي حزبنا أبلغكم جميعا أصدق وأحر التحيات النضالية الأممية.
وعملاً بتوصية الرفيق رئيس الجلسة بالتركيز والإيجاز، سأقتصر من جهتي على ثلاث نقاط تبدو لي أساسية بالنسبة لموضوعنا، وأبقى رهن إشارتكم للإجابة على استفساراتكم وتعميق النقاش وتبادل الآراء في الموضوع.
 1.     العوامل الموضوعية والذاتية التي تؤدي إلى بروز ظاهرة "لأصولية"
مما لا شك فيه أن بروز ونمو ظاهرة "الأصولية " يخضع –تاريخيا وحاليا– لعوامل ودوافع موضوعية وذاتية تشكل القاعدة أو التربة التي تنطلق منها تلك الظاهرة. ويأتي على رأسها: العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي ينتجها استغلال أقلية من "المحظوظين" الغارقين في البذخ والترف، لأغلبية من المقهورين المستغلين داخل نفس المجتمع. وفي غياب دولة الحق والقانون وسيادة الظلم والاستبداد، يتولدعن هذا الاستغلال المتوحش هيمنة مطلقة لتلك الأقلية على كافة القدرات الاقتصادية والاجتماعية وتسخيرها لخدمة مصالحها الذاتية الأنانية، وبالتالي تهميش الأغلبية واقعيا وماديا وتنمية الشعور لديها، كشعور واقعي أيضا، بالحرمان والضياع.
وغالبا ما يزدوج هذا الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي باستلاب إيديولوجي تمارسه تلك الأقلية ضد أغلبية الكادحين بتجريدهم من سلاح الأفكار التحررية ، وإخضاع وعيهم لهجمات مستمرة من التضليل الظلامي والتعتيم المنهجي، بغية إخضاعهم لمنطق الاستغلال واعتباره قدرا منزلا لا محيد عنه. وبفعل تضافر هذه العوامل الذاتية والموضوعية مجتمعة يزيد الشعور بالحرمان والضياع المادي والاجتماعي والمعنوي، خاصة عندما يتعرض المجتمع برمته تحت ضغط سياسة لاشعبية استغلالية متوحشة، إلى الانحلال والتفسخ الاجتماعي والخلقي، وتتفشى داخله ظاهرة الرشوة والمحسوبية حتى تغزو كل شرايينه، من القمة إلى القاعدة، كظاهرة "عادية" وعمودا فقريا لنمط الحكم والإدارة، ويصبح الاختلاس وسوء التسيير، والتهريب الواسع النطاق خارج دورة الإنتاج الرسمية، عبارة عن اقتصاد موازي قائم بذاته، وترتقي السرقة والنهب وامتصاص دم المستضعفين إلى درجة فن في التسيير الاقتصادي ورمز للشطارة والتفوق و"النجاح"، ويصبح الرجل الأمين الصادق النزيه المستقيم عبارة عن غريب أو حالة شاذة بين قومه.. وباختصار، عندما تتعرض قيم المجتمع وأسسه الأخلاقية (كمثل الكرامة والعدالة والنزاهة والأمانة والوفاء) للتفتيت المنهجي، والتحطيم والدوس المتعمد والمستمر، ويتجه المجتمع بأسره نحو منزلقات التفسخ والانحلال، إذاك يزيد الشعور بالحرمان لدى الفئات الشعبية تأججا، وتنشأ التربة والمناخ الذي يؤهل ظاهرة الأصولية للبروز والنمو.
وإضافة إلى مجمل هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، تأتي العوامل الثقافية العامة وضمنها مسألة الهوية الوطنية، ذلك أن الشعور بالحرمان والضياع يزيد استفحالا عندما تعمقه الهيمنة الثقافية الموجهة ضد شعب بأسره، عبر أساليب الاستعمار الجديد وما عرفته من تطور وتجدد، والتي تؤدي إلى استلاب وطني شامل يزدوج بالاستلاب الطبقي المذكور أعلاه، ليفرض ثقافة مستوردة استغلالية مناهضة للقيم الإنسانية، كثقافة سطحية مفروضة من فوق عبر الرجعية المحلية عميلة الاستعمار والاستعمار الجديد، الشيء الذي يهدد الهوية الوطنية بأسرها ويزيد في ضرب القيم الوطنية البديلة والمنسجمة مع حضارة المجتمع وتطلعاته وطموحاته الشعبية.
وتزيد هذه الظاهرة خطورة عندما يتعرض العالم بأسره لأزمات حضارية وانهيارات شاملة، كما هو الشأن حاليا بالنسبة لأزمة النظام الرأسمالي المهيمن عالميا، كنظام دخل مرحلة الأزمة المزمنة الحادة وعبر عن عجزه المطلق في الإجابة على القضايا الكبرى للإنسانية، زيادة على انهيار أنماط "الاشتراكية البيروقراطية"، ودخول البشرية جمعاء مرحلة البحث والإبداع وبلورة وتعميق البديل الاشتراكي الإنساني السليم.
وخلاصة القول، أن الشعور بالحرمان والضياع الاجتماعي والمعنوي والثقافي، على مستوى الفرد والجماعة وبالنسبة لأغلبية الفئات الشعبية الكادحة، وانسداد الآفاق أمامها وغياب أو ضعف البديل الوطني الديمقراطي الصحيح والفاعل في المدى المنظور، إن هذا قد يؤدي إلى نوع من ردة الفعل السلبية المبنية على محاولة "العودة إلى الأصول" لإعادة اكتساب الهوية المفقودة أو المهددة بالاندثار، والانكماش والانغلاق على الذات أمام جبروت قوات الاستغلال والاستلاب الطبقي والوطني المهيمنة بشكل مطلق، والرجوع إلى الوراء قرونا بكاملها لمحاولة البحث عن سبل توظيف الدين في السياسة، لإيجاد حلول للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما دامت تلك القضايا سياسية في نهاية المطاف، تهم سير المجتمع ككل، ونمط الحكم السائد بصفة عامة .
ومحاولة العودة التاريخية إلى الوراء هاته، والتي تسمى بظاهرة الأصولية، هي في عمقها وجوهرها ظاهرة رجعية، تحيل إلى هذا القسط أو ذاك من الظلامية واللاعقلانية في محاولتها معالجة الحاضر أو المستقبل عبر أنماط الماضي المتزمتة المغلقة، وغالبا ما تقحم الدين والمعتقدات الروحية والسماوية في السياسة والاقتصاد والاجتماع وشؤون الناس وصراعاتهم حول قضاياهم المادية إقحاما، كما قد تستعمل الجهوية والإثنية والتعصب القبلي والشعوذة .. وتشكل في نهاية المطاف ظاهرة هدامة تتجه بالعداء لكل ما هو تقدمي عقلاني متنور، بما في ذلك ما هو داخل الدين، وتهدد المجتمع بأسره بالهدم والخراب، إن هي لقيت التربة والمناخ المناسب والعوامل الموضوعية والذاتية المساعدة. وغني عن القول أن ظاهرة الأصولية هذه، كظاهرة سياسية وإيديولوجية بالمقام الأول شيء، والدين والمعتقدات الروحية شيء آخر، كما أن مسألة الخصوصيات الجهوية والتعددية الثقافية الديمقراطية العادلة ضمن الثقافة الوطنية الواحدة الغنية بتعددها وخصوصياتها شيء ثالث …
 2.     حالة المغرب
بعد هذه المقاربة السريعة لمختلف العوامل الموضوعية والذاتية التي تؤسس القاعدة والتربة للأصولية، نطرح هذا السؤال المباشر : هل توجد وتتوفر تلك العوامل في بلادنا المغرب ؟ وما حظوظ تنامي وتطور أو هيمنة الظاهرة الأصولية ؟
لمحاولة الإجابة على هذا السؤال، لا بد من استحضار الظروف التي عاشتها بلادنا في إطار النظام الاستعماري الذي فرض عليها. هذه الظروف التي استدعت قيام حركة وطنية ومقاومة شعبية عرفت عدة تطورات ومنعرجات، إلى أن شكلت حركة تحرير شعبية أرغمت الاستعمار المباشر على التراجع والرحيل، وحققت الاستقلال السياسي للبلاد ولو بشكل ناقص.
ولن نبالغ في شيء إذا ما قلنا أن حركة التحرير الشعبية هاته، اكتست طابع الثورة الوطنية الفعلية التي تجاوزت التصنيفات الإثنية والتمايزات الجهوية لتوحد الشعب المغربي قاطبة في كفاح وطني تحرري مستميت ضد المستعمر وأعوانه المحليين. وكانت الايدولوجيا السائدة تاريخيا داخل حركتنا الوطنية مستمدة من روح الإسلام الحقيقي المتنور السميح المنفتح على الديمقراطية والعلم وروح العصر. وتمكنت ثورتنا الوطنية أيضا من ربط علاقات الكفاح المشترك والوحدة والتكامل مع الثورة الجزائرية على الخصوص وفصائل حركة التحرير المغاربية والعربية عامة. وهذا، هو الذي جعل المستعمر يسارع باستبدال نظام الاحتلال العسكري والاستعمار الاقتصادي والاجتماعي المباشر، بنظام الاستعمار الجديد حفظاً لمصالحه على المدى البعيد، وحتى لا "يخسر" المغرب العربي بأسره وتتوفر له شروط الاستفراد بالثورة الجزائرية خاصة. وانبنى استعماره الجديد هذا على ثلاثة محاور أساسية : استمرار الهيمنة الاقتصادية والإستراتيجية على قدرات البلاد، من جهة ، وتمتين وتجديد الهيمنة الثقافية والاستلاب الوطني الموجه ضد الشعب بأسره، من جهة ثانية ، ومن جهة ثالثة إيجاد وتنمية وتقوية طبقة حليفة لإبرام الشراكة معها وضمان رعاية مصالحه من طرفها ونيابة عنه، والاستفادة بخدمة مصالحها الخاصة في نفس الوقت …
 
وكانت هذه الطبقة الحليفة العميلة في بلادنا هي الطبقة الإقطاعية الرأسمالية التي فرضت نظام الحكم المطلق، ضداً على التوجه التحرري الديموقراطي السائد شعبيا آنذاك، وساهمت بشكل نشيط وحاسم في إجهاض الثورة الوطنية المغربية وقطع الطريق عن البديل التحرري التقدمي الذي بلوره شعبنا مقابل تضحيات جسام وأنهار من الدماء والدموع، وفرض التبعية الاقتصادية والاستغلال المزدوج طبقيا ووطنيا، والاستلاب الثقافي وضرب الهوية الوطنية من الأساس، والتقليد البليد للثقافة والطقوس الرأسمالية الغربية المستوردة الساقطة …
هكذا راح "المعمرون الجدد" كما نسميهم في بلادنا، والنخبة السياسية التي استحوذت على مقاليد الحكم بدعم من الأجنبي، راحوا يمارسون التفتيت المنهجي لقيمنا الحضارية الشعبية التقدمية ورصيدنا الثقافي الوطني، ويخلقون ويعمقون على مر العقود عوامل التهميش والحرمان الاقتصادي والاجتماعي لأغلبية الشعب الكادح، وعوامل الاستلاب الفكري والحرمان الثقافي وتهديد الهوية الوطنية بالضياع والتفتت، وينشؤون موضوعيا التربة والمناخ الملائم لبروز ونمو ظاهرة الأصولية على مر العقود.
وخلافاً لما تدعِيه الطبقة الحاكمة في بلادنا، وتردده أبواق الدعاية الأجنبية العربية، فإن هذه الطبقة لا تشكل "حاجزا أمام الأصولية" التي تهدد المغرب العربي بأسره، بل العكس هو الصحيح تماما كما يؤكده الواقع العنيد بعد ما يقارب أربعين عاما من الاستقلال السياسي الناقص. وبالاستناد لتعريفنا وتحديدنا للعوامل الموضوعية والذاتية التي تؤدي من وجهة نظرنا إلى بروز ونمو ظاهرة الأصولية، لا نتردد في القول أن تلك العوامل تتوفر مجتمعة في واقع المجتمع المغربي الراهن، وأن الطبقة الحاكمة هي المسئولة عن ذلك.
فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لا تخفى على أحد الأزمة الهيكلية المزمنة التي تتخبط فيها البلاد في ظل الهيمنة الأجنبية الطبقية المزدوجة، وبإدارة من المؤسسات الرأسمالية الدولية من صنف صندوق النقد الدولي السيئ الذكر والسمعة.. وإذ لا يسمح المجال هنا لاستحضار كافة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تدل على ذلك، يكفينا التذكير بظواهر التهميش الآتية : ذلك أن ستة بالمائة من سكان المغرب يستحوذون على 50 بالمائة من خيراته، في حين أن 40 بالمائة من سكان المدن يعيشون تحت عتبة الفقر المدقع وأن 40 بالمائة من سكان المدن يعيشون في مدن القصدير. أما البطالة فتمس 40 بالمائة من اليد العاملة من بينهم أكثر من 100000 خريج جامع ، بينما لا تتعدى نسبة التمدرس 50 بالمائة ، وتناهز نسبة الأمية 70 بالمائة، أما القدرة الشرائية فلقد انخفضت بنسبة 50 بالمائة خلال العشر سنوات الأخيرة في ظل توسع الهوة بين الأغنياء الذين يزدادون غنىً والفقراء الذين يزدادون بؤسا وشقاء. يكفينا هذا القدر، لندرك أن واقع التهميش الذي تتعرض له الأغلبية الساحقة من الشعب، وسعت التربة التي توفرها السياسة اللاشعبية و اللاوطنية الحالية لظاهرة الأصولية وغيرها من الظواهر اللاعقلانية .
أما على الصعيد الثقافي بالمفهوم الواسع للكلمة، فنجد التبعية للغرب في كافة المستويات، والاندماج الكلي للاقتصاد الوطني في النظام الرأسمالي العالمي ضدا على مصالحنا الوطنية، والتطبيق الأعمى لتعليمات المؤسسات الرأسمالية الدولية، بل وتطبيق أكثر مما تمليه تلك التعليمات ضدا على المصالح الوطنية، حتى أصبح المغرب الرسمي "أحسن تلميذ" لصندوق النقد الدولي .. كما نجد الاستلاب الوطني والتبعية السياسية عبر المساندة النشيطة المطلقة لمواقف الغرب الرأسمالي سواء في مرحلة الحرب الباردة والعداء البدائي للاشتراكية، أو بالنسبة للوقوف ضد الإرادة والشعور الوطني والقومي بشكل مباشر، كما جري ويجري بالنسبة لمساعدة إسرائيل على بلوغ أهدافها التاكتيكية والإستراتيجية في المنطقة العربية، أو بالنسبة للموقف العملي من الحرب العدوانية ضد الشعب العراقي الشقيق .
وتجد التبعية الاقتصادية والسياسية هاته منبعها الطبيعي في الإيديولوجية الإقطاعية المخزنية السائدة، كما تجد امتداداتها في نظام التعليم الرسمي القائم، والثقافة الرسمية الرجعية التي تهلل لها أبواق الدعاية ليل نهار، والتي تتأقلم وتلتقي ويتكامل مفعولها مع ما تدفقه يوميا الأقمار الصناعية من مواد مرئية–مسموعة رديئة تستهدف ترسيخ الاستلاب والتبعية للغرب والدعاية للقيم الرأسمالية الساقطة، وتعميق الشعور بالكبت والحرمان عبر اللعب على المجال العاطفي بقوة الصور والكلمات…
وخلاصة القول أن تربة الأصولية موجودة وقائمة في بلادنا، وعوامل قيامها متوفرة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما نلمسه في الحياة اليومية للمواطن، وما تفرزه من آفاق مسدودة خاصة بالنسبة للشباب، وذلك تحت مسؤولية الطبقة الإقطاعية–الرأسمالية التي تعمل يوميا على تنمية وتوسيع التربة المناسبة للأصولية، ولا تشكل بأي حال حاجزا أمامها.
وإذا كانت الأصولية في المغرب لا تزال كامنة، و لم تعبر عن نفسها بشكل واسع كما فعلت في بعض الأقطار، وإذا كانت هناك عدة عوامل تؤثر في درجة نموها وانتشارها أو تقاعسها وتراجعها، فلا يجوز أن نتغاضى عنها، ويجب أن لا ننسى أن أوضاعها الكامنة تلك قد تعرف دينامية متصاعدة وتسريعا كبيرا في وثيرة الانتشار والتنامي إذا ما توفرت لها ظروف مناسبة مواتية.
 3.     العوامل المؤثرة في تنامي أو تقاعس الأصولية في المغرب –آفاق –
 إذا كانت ظاهرة الأصولية موجودة وكامنة في مجتمعنا، فإن تناميها وانتشارها، أو تراجعها وتقاعسها، يخضع بشكل جدلي إلى فعل وتأثير عاملين أساسيين متناقضين:
- فمن جهة: تأثيرات سياسة الاستعمار الجديد وحليفته الطبقة الإقطاعية-الرأسمالية الحاكمة، التي تصنع وتحضر وتنمي موضوعيا ويوميا التربة المناسبة لبروز وتقوية ظاهرة الأصولية. وعلاوة على ذلك فمن الثابت تاريخيا أن هذه الطبقة بتعاون مع جهات خارجية، هي التي شجعت الأصولية على البروز ورعت ظاهرة استعمال الإسلام لأغراض سياسية، واستعملت ولازالت تستعمل مجموعات "الإسلام السياسي" لضرب الحركة التقدمية باللجوء للأساليب الأكثر عنفا وهمجية. كما أنها (الطبقة الحاكمة) لا تتردد هي نفسها في توظيف الدين الإسلامي الحنيف لأغراض سياسية، ولخدمة مصالحها الخاصة وتبرير نمط الحكم المطلق -الغريب عن الإسلام الحق الأصيل- والذي يستحوذ على كافة السلطات التشريعية منها والتنفيذية وحتى الروحية، في إطار الدولة المخزنية البالية . ..
- ومن جهة ثانية ومناقضة : الحركة التقدمية الديمقراطية المغربية بكل فصائلها المسيسة منها وغير المسيسة، وذات التاريخ العريق والجذور المتأصلة وسط الشغيلة والشعب المغربي قاطبة. وإذا كان الحكم في المغرب يمتاز بخاصية الاستمرارية كما يحلو للإعلام الغربي أن يقول ويؤكد، فإن لهذه الخاصية نقيضها الجدلي كذلك، أعني بذلك استمرارية الحركة الوطنية والتقدمية عبر العقود والعصور، ووجودها اليوم حية قائمة وسط الطبقة العاملة المغربية ذات الوزن الاجتماعي والأصول والجذور التاريخية أيضا، ووسط كافة القوى والفئات الحية. ولا أدل على ذلك من النضال الديمقراطي اليومي الذي يحلو لنفس أجهزة الإعلام الغربية التغاضي عنه والتعتيم عليه، والقائم يوميا رغم ظروف الاستبداد والقمع والاضطهاد، في كافة القطاعات الاجتماعية وفي واجهات النضال من أجل حقوق الإنسان بصفة عامة وحقوق المرأة بصفة خاصة، ونضالات عائلات المختطفين والمعتقلين والمنفيين السياسيين، والنضال السياسي الديمقراطي من أجل دولة الحق والقانون… 
وأخذا بعين الاعتبار لهذين الصنفين المتناقضين من العوامل المؤثرة في أوضاع الأصولية، نلاحظ أولا أن ليس هناك فراغ سياسي حاليا في المغرب -كما حدث في أقطار أخرى- تستغله الأصولية للانتشار واكتساح الساحة، على الأقل في الظرف الآني. وثانيا، أن أي إضعاف للحركة التقدمية ببلادنا ولحظوظ الحل الديمقراطي الصحيح ببلادنا، وأي تقوية للحكم المطلق والأساليب المخزنية الاستبدادية، يعد تقوية مباشرة للأصولية وكافة الظواهر اللاعقلانية والظلامية، وتهجيج صريح لبلادنا بالتقهقر والتراجع والتخلف. وهنا لابد أن نفصح بكل صراحة بكلمة حق تجاه سياسة البورجوازية الغربية، تلك السياسة التي تمتاز بكثير من النفاق، حيث تتظاهر بالتخوف من الأصولية ومعاداتها، لكنها في نفس الوقت تدعم الأنظمة الديكتاتورية العميلة في البلدان شبه المستعمرة تدعيما، وتقف، بدعمها الاستراتيجي والسياسي هذا في وجه التغيير والحل الديمقراطي الحقيقي، بل وتذهب إلى تشجيع الأصولية ودعمها خفية بالمال والسلاح في بعض الحالات، وتعمل في نهاية المطاف -علاوة على فرض التبعية واستراتيجية الاستغلال في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية- على تقوية الأصولية في بلدان العالم الثالث بالنتيجة والحجة والدليل.
وهل يمكن لأحد أن ينكر الدور الذي لعبته سياسة الرأسمال الدولي في الجزائر تحديدا لابتزازها اقتصاديا وماليا عبر المديونية الخارجية وسياسة النفط، وجعلها تنهار اقتصاديا واجتماعيا تمهيدا لإنشاء التربة والمناخ المناسب لبروز ونمو ظاهرة الأصولية ؟ أليس من حقنا أن نتساءل عن النوايا الاستراتيجية الحقيقية للبورجوازية الغربية تجاه بلداننا، بما في ذلك الدفع بتلك البلدان إلى مزالق الانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية والتخريب والدمار والحروب الأهلية، وإدامة تجويعها وعجزها على سد حاجياتها الأساسية ليتأتى تعميق وترسيخ تبعيتها للغرب الرأسمالي إلى أجل غير منظور، ومنع استقلالها الفعلي واكتفاءها الذاتي وتقدمها وازدهارها، بما فيه فائدة واستفادة للنظام الرأسمالي العالمي ؟…
 مفترق الطرق
وبالعودة إلى أوضاع بلادنا، لنا شعور أن الأنظار تتجه إليها اليوم في ضوء ما يجري في الجزائر الشقيقة، بعد ما يقرب من 40 عاما من الاستقلال الناقص. ولا يخفى على أحد أن هذه الحقبة مرت في ظل التبعية وهيمنة الاستعمار الجديد والحكم المطلق، وفرض الاستلاب المزدوج طبقيا ووطنيا. وإذا كان القمع المنهجي بشتى صوره قد حافظ على ما يسميه الغرب ب "الاستمرار"، فإن هذا القمع يولد حتما النضال والمقاومة ويؤجج الصراع الطبقي والاجتماعي عامة، وبالتالي فإن للحركة التقدمية المغربية أيضا استقرارها واستمراريتها الجدلية المتجددة كما أسلفنا، وحظوظها في تحقيق الحل الديمقراطي السليم، إن هي اهتدت إلى لم شملها وتوحيد صفوفها حول برنامج تحرري ديمقراطي واضح، علماً بأن أي إضعاف لصفوفها، بما في ذلك عبر مساومة بعض أطرافها مع الحكم المطلق وتورطها سياسيا معه أو خضوعها للتدجين المطلق الذي يستهدفها، نقول أن أي إضعاف للحركة التقدمية وخطها النضالي الديمقراطي يعد بمثابة تقوية موضوعية للأصولية ومختلف تلاوينها اللاعقلانية …
استنادا لكل هذا، يتضح لنا أن بلادنا العزيزة تقف اليوم أمام مفترق الطرق، وهي مرشحة في السنين القليلة القادمة لأن تعيش رهانا خطيرا سيطبع مستقبلها وآفاق تطورها:
- فإما أن تتضافر كل العوامل المؤثرة الداخلية منها والخارجية لمنع التحول والتغيير الديمقراطي الذي تنادى به الظروف الموضوعية بكل إلحاح وتطالب به كل الفئات الشعبية، وكذلك شرائح البورجوازية الوطنية، ومقابل ذلك ترسيخ الاستبداد المخزني وإدامة السياسة اللاوطنية اللاشعبية وما ينتج عنها من تدمير لطاقاتنا الوطنية، ماديا وبشريا، وبالتالي تعبيد الطريق أمام الأصولية، وتوفير كافة الشروط لانتشارها واكتساحها للساحة في المدى المنظور، هي وغيرها من الظواهر اللاعقلانية الهدامة.
- وإما أن تدخل بلادنا عهد الديمقراطية الفعلية، لا المصطنعة والمزيفة، بفعل الكفاح الوحدوي الظافر لكافة قواها الحية. وفي هذا الاتجاه، يساهم حزبنا من جهته في النضال الديمقراطي المستميت في وضح النهار، وسط شعبنا الكادح، ويتمسك تمسكا لا هوادة فيه بالمبادئ الديمقراطية الأساسية ، بعيداً عن أي مساومة مع المخزنية والحكم المطلق، وعن أي تطرف أو انتهاز يميني أو يساري في نفس الوقت، ويناضل على الخصوص من أجل قيام مجلس تأسيسي لتمكين الشعب من سيادته وفتح عهد الديمقراطية الحقة، وينادي جميع فصائل الحركة التقدمية لتوحيد الصف في إطار جبهة وطنية ديمقراطية .
وأمام الرهان الخطير الذي تعيشه بلادنا العزيزة، تصبح مسألة التنسيق مع إخواننا الديمقراطيين في المغرب العربي والاستماع إلى آرائهم والاستفادة من تجاربهم وتبادل الرأي حول الحلول والمصير المشترك مسألة أساسية حيوية وذات أهمية بالغة. ومن أعلى هذه المنصة، نقول لإخواننا الجزائريين إن الخلاف الذي يفصل بيننا حقا في مسألة الصحراء المغربية كمسألة مبدئية بالنسبة لنا، لن يدفعنا، ولن يدفع أي ديمقراطي صادق في بلادنا، إلى مزالق الشوفينية أو التشفي في ما يعانيه الشعب الجزائري حاليا من آلام ومصائب ومآسي ومعاناة، لأن أي مصاب يصيبه هو مصاب لنا، وأي تقدم يحققه على طريق التحرر والانعتاق، هو تقدم لنا جميعا.
ولمسألة التضامن الأممي أيضا أهمية بالغة في هذا الظرف، لأن النهج الذي تسير عليه البورجوازية الغربية تجاه البلدان التابعة المستضعفة، وضدا حتى في مصالح أبناءها والأجيال القادمة، لن يكون سوى نهجا انتحاريا في المدى المتوسط والبعيد، بمعنى الانتحار الجماعي للشمال والجنوب على حد سواء، وذلك بتفقير الأغلبية العظمى للبشرية، وإغلاق معظم أبواب السوق العالمية إغلاقا ناجزا نهائيا بحكم الفقر المدقع وانقراض القدرة الشرائية وحتى إمكانية التبعية نفسها للسوق الرأسمالية العالمية …
ولسنا في حاجة إلي التأكيد على أن الحلول الناجعة تكمن في التوجه الديمقراطي العادل المتكافئ على مستوى عالمنا الراهن الذي أصبح "قرية واحدة"، وفي التعاون الأخوي المثمر بين الشعوب. وفي هذا الإطار أشكر مرة أخرى حزب العمل البلجيكي على دعوته الكريمة واحيي هذه التظاهرة الأممية التي ستسمح بلا ريب في تعميق التعارف بين مختلف الحركات والأحزاب الثورية المشاركة ،وتبادل الرأي فيما بينها، وتوطيد علاقات التعاون والتضامن الأممي.
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول

<?xml:namespace prefix = v ns = "urn:schemas-microsoft-com:vml" /> <?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

Pékin 2008

 



 

  خربشات مُواطن أمي