مستقبل الاشتراكية العلمية
كتبهاالشبيبة الطليعية ، في 5 أكتوبر 2009 الساعة: 23:33 م
مستقبل الاشتراكية العلمية
ندوة نظرية لحزب العمل السويسري يحضرها حزب الطليعة الفيلسوف والمناضل الماركسي جورج لابيكا : "بروز البديل الاشتراكي الحقيقي في أحشاء الوضع السائد حاليا ضرورة تاريخية لا محيد عنها" الأخ عبد الغني بوستة : " التضامن لم يعد كافيا والمطلوب معالجة القضايا المشتركة على المستوى الاستراتيجي ’’ مكتب ‘‘الطريق’‘ باريس …
عقد حزب العمل السويسري في شهر مارس المنصرم ندوة نظرية داخلية ضمت مجموعة من مناضليه وأطره ونوابه المنتخبين من مختلف مناطق سويسرا. وتضمنت الندوة أربعة فقرات أساسية تناولت القضايا الثقافية و الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية وذلك من خلال عدة عروض ومناقشات. وركزت الندوة في الجانب الثقافي على فن السينما بشكل خاص وعلاقته بالقضايا الاقتصادية الإيديولوجية السائدة، أما في الجانب السياسي فلقد تناولت التطورات الأخيرة في سويسرا وفرنسا وأوروبا بصفة عامة. وشكلت القضايا الإيديولوجية المحور الأساسي داخل الندوة خاصة من خلال العرض القيم الذي قدمه الفيلسوف الأستاذ الجامعي الفرنسي جورج لابيكا. أما في الجانب الاقتصادي فلقد وقفت الندوة على معالم الأزمة الرأسمالية الراهنة. والجدير بالإشارة أن حزب العمل السويسري المعروف بمواقفه المناضلة والمنفتحة في نفس الوقت، حقق في السنين الأخيرة تقدما جماهيريا هاما حيث يترأس أحد نوابه بلدية لوزان في حين أنه أحرز على نسبة 18 في المائة من الأصوات في بلدية جينيف. ونظرا للعلاقات الحميمة التي تجمعه بحزب الطليعة، فقد وجه لهذا الأخير دعوة استثنائية لحضور ندوته النظرية الداخلية. وسنقتصر في هذه المراسلة على ملخص مركز حول بعض الجوانب الإيديولوجية التي تناولتها الندوة، إغناء للنقاش النظري الذي يهم كافة المناضلين الاشتراكين أينما وجدوا. وجهة نظر الفيلسوف الماركسي جورج لابيكا تجربة الاتحاد السوفياتي والآفاق قبل تناول حاضر ومستقبل الاشتراكية، رأى جورج لابيكا، من خلال المداخلة التي قدمها، ضرورة الوقوف عند تقييم تجربة المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي بصفة خاصة، وطرح السؤال حول ماضي الاشتراكية، وحول طبيعة الاشتراكية التي نتحدث عنها، وما الذي انهار تحديدا في الاتحاد السوفياتي ؟ يقول لابيكا : "إن الثوريين عبر العالم وخلال العقود المنصرمة كانوا يدركون جيدا أن المعسكر الاشتراكي كان يعاني من أمراض داخلية تهدد كيانه، لكن لا أحد كان يتوقع أبدا -بما في ذلك العالم الرأسمالي الغربي- السرعة التي انهار بها، ولا أن يتم ذلك بشكل سلمي نسبيا، وفي وقت وجيز قياسا مع حجم التحولات الضخمة التي حدثت. وإن أي تحليل موضوعي لما حدث في الاتحاد السوفياتي يجب أن يركز على المعطيات التاريخية العينية لهذا البلد-القارة، والطريقة التي نهجها لمحاولة بناء الاشتراكية. والحقيقة أن كتابات لينين خلال السنتين الأخيرتين من حياته، تسلط أضواء ساطعة على تلك المعطيات غداة انتصار ثورة أكتوبر العظيمة في القضاء على النظام الإقطاعي، وشروعها في إعادة بناء الدولة والاقتصاد الوطني على نمط جديد. وأول ما يركز عليه لينين بهذا الصدد، هو أن التصورات التي طرحها في كراسه الشهير "الدولة والثورة"، تصطدم بعراقيل أساسية تحول في الواقع دون تطبيقها. ومن أهم تلك العراقيل التخلف الموضوعي للمجتمع نتيجة هيمنة الاقتطاع خلال القرون السابقة، والضعف الفظيع في وسائل الإنتاج والوسائل العملية بصفة عامة، وحقيقة هياكل الدولة التي لازالت متأثرة إلى حد بعيد بالنمط القيصري البائد. أما الحزب فلم يعد تلك النواة الثورية الصلبة المصقولة والمنسجمة، بل التحقت به مئات الآلاف أغلبهم لأسباب ومطامع شخصية. ويقول لينين أن ثورة أكتوبر " قد دفعت بمجتمع متخلف في مسلسل من التغييرات الإيجابية، لكن الذي نحن بصدده ليس مجتمعا اشتراكيا كما كنا نتصوره، والذي ينقصنا بشكل مأساوي هم الرجال (بمعنى الأطر) إذ يحيط بنا من كل جانب عناصر غير كفؤة أفسدتها السلطة.." وإن الوعي بمختلف هذه الظروف الموضوعية التاريخية، إضافة إلى ضعف البروليتاريا بصفة عامة وتقوقع منظماتها النقابية في دور ذيلي للحزب والدولة، هو الذي جعل لينين يطرح " ما العمل؟ " بشكل جديد، ويقبل على تغييرات أساسية في نهج البناء الاشتراكي حيث يطرح برنامجه الشهير المعروف ب "السياسية الاقتصادية الجديدة " (N.E.P) والحقيقة الموضوعية أن طبيعة المجتمع السوفياتي قبيل وفاة لينين هي عبارة عن طبيعة مخضرمة "رأسمالية-اشتراكية" وضعت على نفسها رهان التفوق على الرأسمالية لكن في ميدان "الإنتاجية". وهذا رهان خاسر مسبقا، لأن الرأسمالية كانت متفوقة في هذا الميدان، علما بأنها تسخر الإنتاجية لصالح الربح. وبالرغم من أن الاتحاد السوفياتي كان يسعى إلى الفوز في ميدان الإنتاجية لفائدة المجتمع والقضايا الاجتماعية، إلا أنه سقط في فخ التنافس في هذا الميدان وفق مقاييس تحطيم الأرقام القياسية في الإنتاج، وإذا ما أضفنا إلى ذلك المجهود الحربي الهائل الذي فرضه عليه العالم الرأسمالي ورهان "التفوق العسكري" أيضا، نفهم إذاك المعوقات المنهجية التي مست البناء الاشتراكي في عهد ستالين. ولفهم تلك المفارقات الغريبة التي جعلت الاتحاد السوفياتي يحتل المرتبة الأولى في ميدان غزو الفضاء مثلا، ويعجز في نفس الوقت، عن صنع القميص والسروال والقلم بشكل مرضي. ستالين اخترع الماركسية اللينينية ومن هنا، يجب الوعي بأن عهد ستالين لم يكن عبارة عن "انحراف شخصي" (وإلا سهل القضاء عليه بالشكل الشخصي المناسب) لكنه كان وليد هياكل معينة. وإن ساهم في تأزمه العامل الشخصي، فإن هذا الأخير وجد التربة المناسبة وجميع الظروف التي تساعد على الانحراف والتراجع والتقهقر .. وبالرجوع إلى كتابات لينين في السنة الأخيرة من حياته على الخصوص، فانه يتحدث عن مجتمع هجين و"ابن شرعي" للاشتراكية، ويقول بوضوح "إن السياسة الاقتصادية الجديدة" تراجع ثوري وتحالف طبقي في إطار تعايش النظامين الرأسمالي والاشتراكي. والفظاعة الكبرى، هي أن يعتبر ستالين أن هذا الواقع الهجين الانتقالي الذي فرضته ظروف تاريخية معينة هو النمط الشيوعي النموذجي الذي يجب أن تقتدي به جميع مناطق العالم وكيفما كانت الظروف المحلية، إذ يتعلق الأمر فقط ب "التطبيق" و "استنساخ" هذا النمط .. وستالين تحديدا هو الذي اخترع مقولة "الماركسية اللينينية" وفرضها على العالم الاشتراكي كعنوان لقالب جاهز يفرض سيادته على الجميع، في حين أن هذه المقولة بدعة نظرية تتناقض ونهج وأفكار ماركس ولينين معا .. وكذلك الشأن بالنسبة لمقولة النظرية المنسجمة المكتملة، كأن ستالين ينصب نفسه بمثابة "خاتم الأنبياء". ومن ثم، فلا فائدة في أي اجتهاد نظري ولا حتى في قراءة نصوص ماركس ولينين، إذ يكفي قراءة كراس ستالين (الهزيل) الذي فسر "الماركسية اللينينية" في ظرف يوم واحد … والمأساة أن هذا النمط من التفكير وهذه الماركسية-اللينينية هي التي سادت وفرضت نفسها بالقوة على الماركسيين وأحيانا بالقمع المباشر والدموي، حيث أن أعدادا لا تحصى من الثوريين الحقيقيين أدوا بأرواحهم ثمنا لمعارضة هذا النمط. وفي ظل الظروف "القمعية" بالمعنى الجسدي وكذلك بالمعنى الإرهابي الفكري عبر العالم، فإن الماركسية الحقيقية قد استمرت في تطورها "تحت الأرض" سواء من خلال بعض التجارب النوعية المتميزة أو من خلال أعمال المثقفين العضويين من أمثال غرامشي ولوكاتش ولفيير وغيرهم. وبالرغم من هيمنة الستالينية وما تلاها على المستوى السياسي، نلاحظ أن بعض التجارب قد ابتعدت عمليا عن النمط السوفياتي مثل تجربة "الديمقراطية الجديدة" في الصين التي لا علاقة لها ب "النمط" ، أو تجربة كوبا .. الخ ومهما يكن، وكيفما كانت التجارب الاشتراكية الانتقالية، هناك حقيقة تاريخية ثابتة لا يمكن أن يجادل فيها أحد : لقد طبعت الماركسية عصرنا الراهن وبشكل لا رجعة فيه. يتجلى هذا في كافة العلوم الاجتماعية التي شهدت بفعل الفكرالماركسي الحي والدائم التطور، تحولات عميقة ونهائية، كما نجده في كافة المستويات الإيديولوجية أو السياسية أو حتى التنظيمية منها التي تهم مصير الشعوب.. وفكر من هذا القبيل لا يمكنه أن ينهار هكذا بين عشية وضحاها، بل ستدفعه روحه المبنية على التحليل النقدي والجدلية إلى تفريخ المزيد من "الأحفاد" بشكل لا متناهي.. سمات الوضعية الحالية من خلال الملاحظات السابقة نستنتج خلاصة أساسية ألا وهي أن الفكر الاشتراكي العلمي ظل وسيظل حيا موجودا، وأن الذي انهار في الشرق هو النمط الستاليني الهجين الذي عجز عن تشكيل بديل تاريخي للرأسمالية، والعكس أصبح صحيحا أيضا … فبعدما هللت البورجوازية لانتصارها الساحق في رهان التنافس الإنتاجي والحرب الباردة، نلاحظ اليوم أنها عاجزة تماما على تنصيب الرأسمالية بديلا تاريخيا في المعسكر الاشتراكي هكذا بضربة سحرية. لقد ادعت البورجوازية بأنها تملك فعلا الحل السحري ، إذ يكفي الإقرار باقتصاد السوق والخوصصة، وجلب الاستثمارات الأجنبية ليتم ب"سهولة" التحول نحو الرأسمالية. إلا أن الأمر لم يكن بتلك السهولة أمام الطبيعة الخاصة والهجينة للهياكل القائمة. فمن الذي سيستثمر في تلك البلدان بدون ضمانات أكيدة في الربح ؟ على عكس ادعاءات إعادة البناء والتنمية فإن ألمانيا الغربية تتصرف بمثابة المستعمر تجاه ألمانيا الشرقية سابقا، ونرى الرأسمال العالمي يقبل على تدمير الفروع الأكثر إنتاجية والأكثر تقدما في بلدان أوروبا الشرقية، حتى ينفرد لوحده بالتكنولوجيا المتطورة ويقضي على أي إمكانية للتنافس . وهذا هو الاتجاه العام لدى الرأسمال العالمي اليوم الذي يسعى إلى بسط هيمنته المطلقة على العالم، بدون منافس، وهو يتمتع الآن بكامل الحرية للتعبير على طبيعته الحقيقية التي تؤدى إلى مزيد من الكوارث الكونية في كافة المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والبيئوية، لا لشيء ، إلا لإشباع الجشع اللا متناهي للرأسمالية في الربح. كل هذا بالتستر وراء "إيديولوجية الحقوق والنظام العالمي الجديد" الذي يبيح للرأسمال العالمي حق التدخل العسكري العنيف في أي مكان على وجه الأرض. وما يعني نظام صندوق النقد الدولي ونظام الديون سوى تلغيم اقتصاديات بلدان الجنوب من أساسه، وتوفير وسائل ضغط هائلة لتركيعها وإخضاعها ؟ وفي بلدان أوروبا الغربة نفسها نجد أكثر من 32 مليون عاطل وحالات منتشرة من الفقر المدقع تجعلنا نقول بأن "العالم الثالث" أصبح داخل "العالم الأول". أما في أوروبا الشرقية فلقد أصبحت البطالة تمس 75 في المائة من السكان بفعل الانتقال إلى "اقتصاد السوق". وقد تدعي البورجوازية أن الرأسمالية حققت تقدما اجتماعيا باهرا وتخلصت من الظروف الاجتماعية القاسية التي رافقت نشأتها ؟ وهذا تضليل بطبيعة الحال، لأن العديد من البلدان التي تسيطر فيها الرأسمالية لا زالت تعيش ظروفا تشابه ظروف الرأسمالية في القرن 19. ولن أتردد في القول بأن الحالة العامة الراهنة أسوأ مما كانت عليه إبان كارل ماركس، والحال أن الإنسان أصبح يلتجئ إلى بيع الأحشاء البشرية بحثا عن لقمة العيش، ناهيك عن استغلال عمل الأطفال والمتاجرة بهم وعن تنامي البؤس والفقر في بلدان الجنوب ، وتخريب الموارد الطبيعية الكونية، وتنامي الحروب .. أما الدعارة وتجارة المخدرات فهي جزء لا يتجزأ من الإنتاج الرأسمالي بكل بساطة. وبصفة عامة، وبموازاة التدويل المضطرد للإنتاج، فإن العصر هو عصر الهيمنة المفرطة للرأسمال المالي على حساب الرأسمال الإنتاجي الذي كان سائدا في القرن 19، عصر سيطرة المال الذي يولد المال مباشرة بدون إنتاج ولا مساهمة في التراكم والتنمية .. أين البديل ؟ بالرجوع إلى التحليل الجدلي العلمي، فإن البديل يوجد في الواقع نفسه، والمستقبل الذي يسعى إلى توليده الثوريون ليس كما يتصورون أو يحلمون بل كما هو موجود في الواقع في تناقض جدلي مع الوضع السائد. وكما أنه ليس هناك نمط اشتراكي بحث، فإن النظام الرأسمالي البحث والصرف، لا يوجد في الواقع كذلك. بل نلاحظ أن المجتمعات الرأسمالية الحالية قد استوعبت العديد من الجوانب الاشتراكية. نلاحظ هذا في طرق تنظيم الإنتاج والتسيير العصري، كما نلاحظه في النمو المستمر للحركة الجمعوية واتساع رقعة تأثيرها، وفي بروز الحركات البديلة في أوروبا مثلا، التي تركز بشكل هام على تطوير مفهوم المواطنة والديمقراطية المباشرة، لكي تصبح السياسة من صنع المواطنين. هذا إضافة إلى المكانة الأساسية التي تحتلها الحركة العمالية وحركة الشغيلة بصفة عامة وكل الحركات السلمية والمناهضة للنظام الرأسمالي السائد، وباختصار كل الحركات والتنظيمات الاجتماعية والأشكال الإنتاجية والثقافية التي تعارض مغالطة القرن التي تقدم الديموقراطية الغربية على أنها النموذج العالمي الأوحد بعدما "انتهت الايديولوجيات" وحل عهد "العدمية الجديدة".. إلى غير ذلك من الادعاءات البلهاء. إن أمل الإنسانية في العدالة الاجتماعية والتقدم والهناء لايمكن أن يقتل. وإن بروز البديل الاشتراكي الحقيقي من أحشاء الوضع السائد حاليا ضرورة تاريخية لا محيد عنها، ولن يتأتى بروز هذا البديل إلا بتنمية وتدعيم وتكثيف النضال الديمقراطي في جميع بقاع العالم، شمالا وجنوبا، وترسيخه في المجال الاجتماعي على الخصوص حتى يتأتى فتح الطريق نحو عهد "ديمقراطية المنتجين" وعهد "المواطنة الحقيقية المتكاملة". وقد تلا هذا العرض القيم للأستاذ جورج لابيكا-كما بالنسبة لبقية العروض الأخرى التي لا يسع المجال هنا لنقلها– نقاشات معمقة في جو من الحماس والمعنويات المرتفعة والثقة بالمستقبل، سواء بالنسبة للمناضلين الشباب أو بالنسبة لمن تمتد تجربتهم إلى أزيد من خمسين سنة من النضال، عايشوا خلالها كل مراحل تطور الحركة العمالية.
** كلمة الأخ عبد الغني بوستة
وفي اختتام الندوة ، أعطيت الكلمة لحزب الطليعة باعتباره الضيف الوحيد على هذه الندوة الداخلية، فارتجل الأخ عبد الغني بوستة كلمة موجزة استهلها بعبارات الشكر والامتنان لحزب العمل على دعوته الكريمة مشيرا إلى علاقات الصداقة الحميمة التي تجمع بين الحزبين منذ سنين، وبعد أن ذكر بشكل مختصر بالمواقف والاختيارات الأساسية التي يتبناها حزب الطليعة، أضاف قائلا: "رفاقي الأعزاء: اسمحوا لي بأن اعبر لكم عن الشعور بالسعادة والارتياح لنتائج ندوتكم النظرية هذه التي تميزت بمستوى عال من الاجتهاد والوضوح والصراحة الثورية. ومما يزيد من سعادتنا أن تلك النتائج الهامة التي سطرتموها تلتقي تماما مع عدد من الخيارات والمواقف التي يتبناها حزبنا في المجالات الإيديولوجية والسياسية، ومع النهج النظري العام الذي اختاره منذ سنين. فنحن مثلكم نتبنى الاشتراكية العلمية كإيديولوجية ومنهج ، ولكننا نرفض ورفضنا باستمرار الدوغمائية والقوالب الجاهزة. ونحن لم نقل يوما ما ب "الماركسية اللينينية" نظرا لما تحمله هذه المقولة من تقزيم وتبسيط واختزال للنظرية الثورية التي يصنعها ويحركها باسمرار كفاح الشعوب ومثقفيها الثوريين العضويين من أمثال ماركس ولينين وغيفارا وغرامشي واميلكار كابرال ومهدي عامل والمهدي بن بركة وغيرهم كثيرون، في كافة مجالات البحوث الاجتماعية–الإنسانية– والإيديولوجية والسياسية … وان موقفنا المتميز هذا في حزب الطليعة كلفنا غاليا خلال سنين طويلة، إذ لم نكن أعضاء رسميين في "عائلة" الماركسية اللينينية ولا انتمينا أيضا "لأسرة" الأممية الثانية المنحرفة والملقبة زورا بالاشتراكية. فكنا طوال عقود مضت، ورغم علاقات التضامن التي جمعتنا بعديد من الحلفاء والأصدقاء والأشقاء، كنا بمثابة "أيتام الاشتراكية" إن صح التعبير. وكم يسعدنا اليوم أن تتأكد صحة اختياراتنا من خلال التجربة الملموسة، وأن يتأكد للجميع أن الاشتراكية العلمية بريئة من الدوغمائية وأنها علم دائم التطور والإغناء، وإن التبني الفعلي للاشتراكية العلمية والوفاء لروح مبادئها لا يقاس بقياس الحصول على لقب أو يافطة منمقة. ولا أقول هذا من باب التباهي بحزب الطليعة الذي أتشرف بالانتماء إليه، ولكن للتأكيد على أن أمام كل الاشتراكين الثوريين آفاق مشرقة لصياغة نظرية متماسكة تجيب على متطلبات العصر وما يشهده من تحولات هائلة، وذلك بعد الفشل التاريخي للدوغمائية وللتطرف اليساري على حد السواء، واللذين تسترا معا وراء يافطة "الماركسية اللينينية". وإذ نجتهد جميعا في تعميق أجوبتنا على القضايا النظرية والاستراتيجية المطروحة أمامنا، فإن الأمر لا يتعلق في أي حال من الأحوال بمساومة ما مع الرأسمالية، أو بالتسليم لهذه الأخيرة بفوز نظريتها الاستغلالية، بل إن الأمر يتعلق بمعركة فكرية حقيقية لا هوادة فيها، معركة تستثني المساومة والارتداد والتحجر والتشنج في نفس الآن. والحلول والإجابات النظرية التي نحن بصدد صياغتها بالنسبة للقضايا الجديدة المطروحة أمامنا، لا يمكنها أن تكون من جديد عبارة عن وصفات أو نمط جاهز وقابل للاستنساخ، لأن عهد "النمط" (كيفما كان هذا النمط ) قد انتهى، والمطروح هو التشبع بنهج جديد تضرب جذوره في المنهج والأفكار والقيم للاشتراكية العلمية ذات الطبيعة الكونية، ويدمج نتائج آخر التطورات العلمية، ويجيب بشكل ثوري سديد على قضايا العصر وعلى متطلبات كل واقع ملموس ومعطياته التاريخية. فالاشتراكية العلمية ليست دينا، والثوريون الجدليون لا يمكنهم أن يكونوا "أصوليين " بالمعنى الضيق للكلمة… ومساهمة في النقاش بصدد ما جاء في مداخلة الرفيق جورج لابيكا الشيقة القيمة، أود التأكيد على أهمية الثورة التقنية والعلمية التي يشهدها عصرنا، والتي ترتبت عنها تحولات جذرية في كافة المجالات سواء على مستوى وسائل وعلاقات الإنتاج أو بالنسبة للتشكيلات الاجتماعية نفسها، وانعكاسات كل هذا عالميا، شمالا وجنوبا، بتغييرات عميقة سريعة إلى درجة يصعب معها تتبع كل التطورات. هذه التغيرات (التي تفوق حجما وعمقا واتساعا ما أتت به الثورة الصناعية في القرن المنصرم) تحتم علينا مراجعة عدد من التصورات والتحاليل، في حين أنها تدفع بشكل مضطرد سريع نحو مزيد من التدويل الشامل في مجالات العلوم نفسها، والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذا الإيديولوجية بطبيعة الحال، ولا أدل على ذلك من انتقال عدد من القطاعات الإنتاجية برمتها من الغرب الرأسمالي نحو البلدان النامية، وما يترتب عن ذلك من تبعية وتداخل وترابط في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية. فنحن مثلا في حزب الطليعة، عندما نقف على صياغة استراتجيتنا وبرنامجنا المرحلي، لابد لنا أن نأخذ بعين الاعتبار ليس فقط محيطنا المغربي والمغاربي والعربي، ولكن أيضا المحيط الأوروبي والعالمي بصفة عامة. فاتفاقية "ماستريخت" الأوروبية مثلا، لها انعكاسات مباشرة على أوضاعنا، ولابد لنا من إدماج معطياتها ضمن إستراتيجيتنا. والحالة هذه، فمن حقنا أن نطالب رفاقنا في أوروبا بمجهود مماثل. فمسألة "التضامن" لم تعد كافية سواء في صيغة التضامن الإنساني أو صيغة " التضامن الاممي"، بل المطلوب هو معالجة قضايانا المشتركة على المستوى الاستراتيجي، وإدماجها في استراتيجية كل طرف على حدة. فمن الواضح كما قال الرفيق لابيكا أن "العالم الثالث" أصبح داخل "العالم الأول " لكن العكس صحيح أيضا، فإن "العالم الأول" يوجد داخل "العالم الثالث" ممثلا في الطبقات الرأسمالية السائدة في بلداننا وما يربطها من علاقات التبعية والتمازج والاندماج الاقتصادي والسياسي والثقافي مع البورجوازية الغربية. ومن الواضح أيضا أن الرأسمالية حققت لنفسها هياكل فعالة لتنسيق استراتيجيتها على المستوى الدولي، فلماذا نتأخر نحن عن الركب؟ وأخيرا، رفاقي الأعزاء، لقد انتبهت مثلكم لما جاء في مداخلة الأستاذ لابيكا حول كتابات لينين في السنة الأخيرة من حياته، خاصة ما قاله بشـأن مأساة ندرة الأطر والنواقص في تكوين الثوريين، وما ندوتكم النظرية هذه إلا مساهمة في الجواب على المشكل، لأن مثل هذه المبادرات والأعمال هي التي تسمح للمناضلين بتوسيع آفاق نظرتهم وتطوير وتعميق قدراتهم. لذلك أشكركم مجددا على إتاحة الفرصة لنا للاستفادة منكم ومن تجربتكم الغنية ومشاطرتكم الرأي في القضايا الجوهرية التي تهم مصير شعوبنا ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























