مدونة "الطريق"في افق الافراج عن جريدة الطريقسكريبت المقالات - الاصدار الثاني


جدلية تطور الوعي لدى الشباب

مايو 28th, 2008 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

جدلية تطور الوعي لدى الشباب

يتطور الوعي لدى الشباب وفق القوانين الجدلية، وإننا نلاحظ أثر القوانين الديالكتيكية هذه في جميع المجالات: في الطبيعة العضوية، كما في الطبيعة اللاعضوية، في المجتمع، كما في تطور وعي الشعوب وتطور وعي الفرد.
وقد بين ماركس وإنجلز، أن قوانين التطور العامة يمكن تطبيقها أيضاً على الحالة الخاصة للتطور على الصعيد النفسي.
إذ إن البحث في تطور الوعي لدى الشباب يظهر الوقائع الجدلية التالية:
فيما يتعلق بارتباط العوامل بعضها مع بعض، التي تحدد شروط التطور، لا نستطيع تحليل تطور الوعي إلا تحليلاً علمياً، ولا نستطيع وصف هذا التحليل وتنسيقه إلا إذا استوعبنا شروط التطور الواقعية وأعرناها الاهتمام الكافي.
وفيما يتعلق بالتطور الدائم المستمر، حيث ينشأ الجديد، ويعبر القديم، علينا أن نلاحظ أن الشباب في الوقت الراهن لا يمكننا أن نقارنه بالشباب في الخمسينيات والستينيات.
وفيما يتعلق بالطابع القفزي لحركة التطور، نشاهد أن تراكم التغيرات الكمية ينقلب إلى تغيرات كيفية جديدة. أي علينا أن نلاحظ أن كل عملية استيعاب وفهم تتبع هذه الطريقة ذاتها في التحول.
أما فيما يتعلق بالأسباب الحقيقية للتطور، فهي التناقضات الداخلية، أي أن »التطور ناجم عن صراع الأضداد« تُعلّمنا الفلسفة الماركسية أن الأمور تبقى على حالها ولا يطرأ عليها التغيير إذا لم يكن هناك تناقضات بين الموضوعات والظاهرات، إذا لم يكن هناك صراع بين الجوانب المتعارضة والميول.
وقد أشار لينين إلى أن نظرية وحدة وصراع الأضداد هي النواة العقلانية في الفلسفة الماركسية، إن قانون التناقضات، أو بالأحرى قانون وحدة وصراع الأضداد يبين بوضوح للعلماء الذين يهتمون بأمور التطور »وكذلك تطور الوعي« أن جوانب التناقض والميول كامنة في جميع الأشياء والظاهرات والعمليات التي هي في حالة صراع بعضها مع بعض.
إن صراع الأضداد يدفع بعملية التطور إلى الأمام، وهذا يؤدي إلى ازدياد التناقضات التي لا شك في أنها ستجد حلاً لها في مرحلة معينة، من خلال عبور الأمور القديمة وتكوّن الأمور الجديدة. إن صراع الأضداد، من نشوئه إلى إيجاد حلوله، عملية معقدة، إنه يمر في مراحل مختلفة، أو بالأحرى في درجات تطور مختلفة.
وعلينا أن ندرك أن التناقضات موجودة وعلينا إيجاد حلول لها في الوقت المناسب والملائم، لا قبل ولا بعد، وهذا الأمر يلعب دوراً هاماً في عملية التربية كما في التطور الاجتماعي.
إن محاولة إيجاد حل مبكر للتناقض، أي في وقت لم تتبلور الميول التقدمية فيه بعد، يؤدي إلى بروز ظواهر تراجعية كالاستغناء والتخلي والاستسلام والهرب والنكوص، وهذا يقودنا إلى الاستنتاج التالي: إن حركة تطور الظاهرات والمواضيع يقوم ع

المزيد


ستبقى منارة ثورة أوكتوبر .. شامخة .. متوهجة

نوفمبر 7th, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

ستبقى منارة ثورة أوكتوبر .. شامخة .. متوهجة
بدر الدين شنن 

ما يشهده العالم اليوم من بربرية إمبريالية منفلتة ، يعبر أصدق تعبير عن أن ثورة أوكتوبر في روسيا عام 1917 ، كانت جواباً مطابقاً على سؤال لحظتها التاريخية . لم تكن مبكرة .. كما لم تكن متأخرة . لم تأت قبل أن تتوفر شروط موضوعية معينة .. أو بعد أن ولت تلك الشروط .
كان المجتمع الروسي يتآكله البؤس ودمار الحرب وغباء وجشع وتخلف السلطات . كان العالم كله مسرحاً للإمبرياليين الضواري ، يتذابحون في حرب كونية طاحنة ، لاستعباد الشعوب ، ولإعادة اقتسام عوائد جهود الكادحين في كل مكان .
كان الضمير العالمي يبحث عن بديل .. عن فجر إنساني جديد .. عن رجال شرفاء يوقفون ذلك المسار الحقير المتوحش ، الذي يفتك بالإنسانية كالوباء .
فكانت ثورة أوكتوبر .. التي قدمت وعدها السلمي الاشتراكي .. الذي شق طريقه في حقول النار حتى النهاية .

إن ثورة أوكتوبر أعظم من ملحمة أ سطورية .. أعظم من كل الملاحم والأساطير .. تلك التي صنعها فعل الإنسان ومخياله . ذلك .. لأنها لم تكن ا ستجابة لرد فعل محدود أو حدث عابر .. لأنها تجاوزت منذ انطلاقتها حدود الزمان والمكان ودخلت التاريخ بجدارة .. ولأنها وجهت ضربات مطارقها .. ومناجلها .. وصرخاتها .. وبنادقها .. النبيلة المتمردة لأول مرة في التاريخ ..إلى الملكية الخاصة " المقد سة " التي كرست ا ستغلال الإنسان للإنسان .. وكرست ا ستعباد الشعوب الضعيفة . ولأنها كسرت تفرد الضواري الإمبرياليين بتقرير مصير العالم . وأقدمت على محاولة بناء عالم آخر بديل ا شتراكي لأول مرة في حياة الشعوب ، وحاولت أن تأخذ من النظرية الماركسية وتعطي من خلال التجربة الحية رؤية لإنسانية بديلة شاملة منزهة عن كل أنواع القهر والظلم والاستغلال .

كل الأرقام ، عن الإنجازات والنجاحات ، مهما كبرت تبقى أقل شأناً من تلك الإرادة الثورية التي تصدت لتحطيم قلاع الإقطاع الروسي الرهيب ، ووقف الحرب الكونية الوحشية ، ومقاتلة أربعة عشر دولة ا ستعمارية وطامعة ، من أجل بقاء فجر الثورة والحلم متوهجاً ..

كل الأخطاء والانحرافات ، التي وقعت نتيجة حداثة التجربة ، أو وقعت سهواً أوا ستهتاراً ، تسقط من الحساب ، أمام أهمية انتشار أفق التحرر والانعتاق في كل قارات الأرض ، أمام عظمة أن تقدم دولة ثورة أوكتوبر للشعوب المضطهدة .. حلماً .. وخبزاً .. وسلاحاً .. ومصانع وسدوداً .. بينما الدول الإمبريالية تأخذ من هذه الشعوب وتنهب ، وأن تقدم دولة ثورة أوكتوبر للعالم كله حصناً يعزز السلم العالمي ، ويحد من وحشية الدول الإمبريالية العظمى .
أي ثورة تحرر وطني .. أي ثورة كادحين .. انتصرت في العالم بدون دعم مباشر أو غير مباشر من و

المزيد


دراسة أولية في أصول القضية الأمازيغية

يوليو 21st, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

دراسة أولية في أصول القضية الأمازيغية

صارت "القضية الأمازيغية"، منذ إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حديث الكل مع الكل. فسواء أكانت الهيئة المنادية بإنصاف الأمازيغية "الآن" مناصرة لهذه القضية قبل إحداث المعهد أو غير مناصرة، فقد ضاع النقاش العلمي لهذه القضية في لجة الاسترزاق بها والدفاع الخاطئ عنها.
وتكاثرت الأحزاب الملتحقة بركب الدفاع عن "الموروث الثقافي" و"الخصوصيات الإثنو- ثقافية"؛ حيث خصصت فقرات بكاملها للأمازيغية في مقرراتها الحزبية، وكثرت صفحاتها على جرائدها. وهناك مبادرة من اليسار بتقديم أوراق في الموضوع، وبإدراجها ضمن الإصلاحات الدستورية المطالب بها.
كل هذا خارج نقاش علمي متأن لأصول القضية وواقعها الحالي والتصورات المتنافسة في إطارها ومدى قدرتها عن الدفاع عن المطلب. حيث ساد نوع من النقاش المبسط- يتناول الجوانب السياسية فقط- يكون الغرض منه إرضاء الجمعيات ومثقفي الأمازيغية بتبنيهم للقضية وخلع تهمة الشوفينية والعصبوية عنها، أو استعمالها انتخابيا ولاستقطاب الأتباع، الذين أصبحوا متضايقين من عدم اهتمام أحزابهم بلغتهم وثقافتهم. حينها يكون تناول القضية تبريريا وليس علميا.
لا ندعي أن هذه الورقة مكتملة، خاصة في نقاش شوشه الغموض والتمييع. لكن هذه الورقة اعتمدت منهاجا، رغم تأبينه أكثر من مرة، هو المنهج الأكثر إجابة عن متطلبات الباحث، وتحاول أن ترد الظاهرة موضوع الدراسة إلى أصلها الأول، أي النظر في التاريخ الطبقي- السياسي للمغرب، وكيف ساهم تفكيك البنيات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب على دفع الأمازيغية إلى دائرة الانقراض. هذا المنهج هو المنهج الماركسي، الذي سبق أن تناول القضية القومية والثقافية، ما يغني يسارنا عن الالتجاء إلى ثقافة المواثيق وحقوق الإنسان.

لماذا تخلفت الأمازيغية؟
يقول أحمد بوكوس واصفا الوضعية العامة للغات بالمغرب: "تعرض اللغات والثقافات المتواجدة في الساحة كبضاعة في سوق الممتلكات الرمزية. وتشكل السوق اللغوية في آن واحد نمطا من قوانين مكونة لأثمنة المنتوجات اللغوية، وتعاملا خطابيا على شكل معاملات لغوية. وتشهد هذه السوق رواج الممتلكات اللغوية الكفؤة مجتمعيا، بمعنى أن هذه الممتلكات تتقوم وتتراتب في إطار منافسة اجتماعية دائمة".
ما هي معايير هذه المنافسة، وكيف تحدد أثمنة المنتوجات اللغوية؟ ما هو قانون السوق اللغوية؟ ما هي الشروط التي تجعل من بعض الممتلكات اللغوية كفؤة مجتمعيا ومن البعض الآخر غير ذلك؟ هذا ما سنحاول تناوله في هذه الورقة.
تعتبر وضعية الأمازيغية المتخلفة مقارنة مع لغات أخرى، صورة جزئية عن التخلف العام الذي وجد المجتمع المغربي نفسه يتخبط فيه مقارنة مع بلدان أخرى (أوربا وأمريكا)، عندما قدمت الطلائع الأولى للاستعمار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
كان المجتمع المغربي، في هذه الأثناء، يعيش تجزئة سياسية ويتخبط في صراع دموي وقاس بين القبائل من جهة حول موارد العيش (الأرض والمراعي، وموارد المياه، صراعات الثأر والثأر المضاد)، وبينها وبين المخزن والقياد من جهة أخرى حول امتناع هذه القبائل عن أداء الضرائب الجائرة التي زادتها استفحالا الأزمة المالية لما بعد هزيمة إيسلي، وتراكم الديون على خزينة المخزن.
كان التخلف السمة الأساسية لحياة المغاربة في كل مجالاتها، الاقتصادي والإداري والرمزي (الإنتاج الثقافي). فالفلاح المغربي لا زال يفلح أرضه بأدوات عتيقة تكثر نسبة الخشب فيها (موروثة في جلها عن عشرات القرون)، في الوقت الذين كان الجرار البخاري يقلب أرض أوربا رأسا على عقب. وفي حين يمخر القطار البخاري عباب أراضي أوربا، كانت التجارة الداخلية والنقل تتم على ظهر البهائم وبواسطة العربات التي كانت منعدمة في بعض المناطق لعدم وجود الطرق. ففي كل المغرب لم يكن هناك طريق مرصف ما عدا طريق واحد بين فاس ومكناس"
اعتمدت الصناعات البسيطة على وسائل إنتاج بسيطة، ولم تتح إمكانية صناعة متقدمة أو مردودية كبيرة في الإنتاج، ولا فائض قيمة هام. لقد كانت وسائل الإنتاج في المجتمع القبلي المغربي… في مستوى كبير من البساطة، لا تكسب إلا القليل من الدخل، فالحرف والمهن لم تكن قادرة على إغناء ممتهنيها نظرا لقلة الموارد الضرورية التي تمكنهم من إحداث معامل كبرى. لقد كان الإنتاج في المجتمع المغربي إنتاج كفاف واكتفاء ذاتي، على أرضية فقر مدقع رغم أن المغرب عاش أيام عزه عندما كان ينشط تجارة الذهب بين أفريقيا وأوربا عن طريق القوافل.
وكانت الخدمات الطبية منعدمة تماما ومقتصرة في أغلبها على التطبيب الطبيعي (الكي بالنار، العسل، مستخلصات الأعشاب، أو التعاويذ…) والأمية متفشية والتعليم مقتصر على الجانب الديني. ليس بالغريب- والحالة هذه- أن تعيش الأمازيغية إذن، نفس وضعية التخلف والتدني، ففي الوقت الذي وجدت في اللغات في أوربا وسائل حديثة (تطور علوم اللسانيات، التدريس بالمدرسة العمومية، الجامعات والمعاهد) لإعادة إنتاج وتطوير نفسها، اعتمدت الأمازيغية لإنتاج وإعادة إنتاج قيمها الرمزية واللغوية على وسائل تقليدية تماما. فقد كانت الثقافة الأمازيغية ثقافة ذات تقليد شفوي بالأساس…تلتجئ لإعادة إنتاج ذاتها والاستمرار إلى الأساليب التقليدية التي تستعملها الثقافات الشفوية: حيث يتم توارثها عن طريق المحاكاة والتقليد والرواية الشفوية… وقد ارتبطت هذه الثقافة بالمجتمع الأمازيغي التقليدي ومؤسساته كالأسرة والعشيرة والدوار والقبيلة، ولابد أن أي اضطرابات ستعتري هذه المؤسسات ستنعكس على وضعية الأمازيغية، وهو ما وقع فعلا مع دخول الاستعمار وبناء ما سمي بـ"الدولة الحديثة".
ورغم ذلك عرفت الأمازيغية نوعا من التوازن الهش على غرار كل مناحي حياة المغاربة آنذاك، فقد كانت مستعملة في كل مرافق الحياة العامة (في العمل بالحقل، في المسجد والمناسبات الدينية وحتى الرسمية، وعند القائد أو الشيخ..). كان الإنسان الأمازيغي يعيش حياته من خلال لغته وثقافته المحدودة لمحدودية تطور المجتمع، ولم يعرف انفصال عالمه اللغوي الخاص (الخاص باللغة الأم) عن عالم يعيشه بلغة أخرى إلا مع قدوم الدولة "العصرية" مع الاستعمار، بإداراتها ومدرستها، التي همشت كل ما له علاقة بالأمازيغية.

عوامل صمود الأمازيغية؟
يميل التبسيطيون داخل الحركة الأمازيغية إلى رد الوضعية الحالية للأمازيغية، إلى التأثير الشرقي ومحاولة حركة القومية العربية أتباع البعثيين، القضاء على الثقافات واللغات لصنع انسجام داخل ما يسمى الوطن العربي. ويربطون ما وقع للأمازيغية بلحظات كرونولوجية معينة (اتصالات شكيب أرسلان مع رجال الحركة الوطنية، ظهير 16 ماي 1930، امتداد الفكر القومي ابتداء من خمسينيات القرن العشرين مع صعود نجم عبد الناصر..)، ويميل نظراؤهم المناصرين للتعريب، إلى الدفاع عن أطروحة التعريب السلس والسلمي للمغاربة الذين اختاروا العربية عن وعي. غافلين عن الأسباب الحقيقية الكامنة في التدمير والتفكيك الممنهجيين الذين أحدثهما الاستعمار في البنيات القبلية التقليدية التي حمت الأمازيغية من الانقراض لعدة قرون.
لخص الباحث الجزائري سالم شاكر عوامل صمود الأمازيغية في: الجغرافيا (انزواء المناطق الجبلية على نقيض المناطق السهلية والسهول العليا المتاخمة للصحراء. التي تعرضت لتعريب مبكر لكونها تسمح بتنقل واستقرار سهلين لسكان ناطقين بالعربية قادمون من الشرق ولولاة السلطات الحضرية ذات اللسان العربي)، وعامل نظام الإنتاج وحيازة الأرض، والعامل السياسي: عدم قدرة أنظمة الحكم المركزية في مراقبة هذه المناطق مراقبة دائمة وكانت على العموم ذات حياة سياسية ومستقلة، عن تأثير وإدارة الحكم المركزي.
عامل "نظام الإنتاج وحيازة الأرض"
كان نمط الإنتاج السائد في المغرب، كغيره من البلدان التي سادت فيها بنيات إنتاج ما قبل رأسمالية، معتمدا بالأساس على الأرض. فقد كانت " تعتبر (الأرض) المحرك الأساسي للوحدات الاجتماعية في كل المجتمعات الزراعية، وكانت في المغرب ولا تزال البؤرة المحورية التي يحتدم حولها صراع تلك الوحدات الاجتماعية سواء كانت حضرية أو ريفية" (الهادي الهروي: القبيلة، الإقطاع والمخزن). وكانت توفر الحدود الدنيا للبقاء، في مجتمع لم تتطور فيه وسائل الإنتاج منذ القرون الوسطى، كما كانت أساس الثروة والسلطة والنفوذ.
انحصر العمل في المجتمع المغربي في الفلاحة المعاشية وتربية المواشي، الشيء الذي يجعل من الأرض موضوعا للعمل، وفي نفس الوقت وسيلة أساسية له. كان الشكل الطاغي للملكية- داخل القبيلة بالخصوص- هو الملكيات شبه- الجماعية، وتشمل أراضي الجيش وأراض القبائل (الجماعة) والأراضي التي لا وارث لها، لكن الملكية وأصول الحيازة وحدها هي الجماعية أما الاستغلال ففردي/ أسري، حيث تقسم الأراضي على الأسر. في حين عرفت مناطق تحكم السلطة المركزية أشكالا متطورة من الملكية الخاصة، فقد كانت الملكيات الشاسعة في حوزة السلطان وبعض أفراد المخزن والأعيان وبعض العائلات الكبرى.
كانت كل أوجه حياة الإنسان المغربي مرتبطة بإنتاجه المادي، وهذا الأخير مرتبط بشكل ملكية وسائل هذا الإنتاج. إن الملكية شبه الجماعية للأرض (التي فرضتها الظروف المناخية القاسية وطبيعة التقنيات التقليدية) تنعكس في الطابع المساواتي للقبيلة. وعلى هذه القاعدة المادية انبنى شكل معين من العلاقات بين السكان والأسر والقبائل؛ خلقت الأسر والعائلات وكذا القبائل، وطورت شبكة من العلاقات الاجتماعية من أجل تحقيق الاستقرار وتعويض ما ينتج عن تعسفات المجال وقساوة الطبيعة وضعف التقنية وندرة الموارد الحيوية. في مثل هذه الظروف تصبح الجماعة هي المعيار الوحيد لكل مبادرة لا يحيد عنها أي فرد، لأن الإيديولوجية التي تحركها تستمد مشروعيتها من تمجيد سلوك التعاون والتضامن بين الأفراد سواء على المستوى العائلي أو على مستوى القبيلة.
كانت القبيلة منقسمة إلى وحدات أسرية (الفرضات)، تكون هي المعيار المعتمد في تقسيم الأراضي والواجبات والحقوق. و كانت الأسرة أبوية، حيث الأب رئيس الأسرة ويتحكم في الموارد المادية، ويمتلك عددا من الزوجات ويتحكم في مصير الأولاد، الذين كانوا ضروريين كسواعد لفلاحة الأرض. كانت الأسرة موحدة وتحكمها علاقات تضامن وتعاون قوية، هي الكفيلة بضمان بقاء أفرادها في مجتمع تتحكم فيه الطبيعة والنزاعات حول موارد الحياة فيه يومية.
في هذه الظروف عاشت الأمازيغية (لغة وثقافة وهوية) قرونا لا تعتريها اضطرابات، كالتي عرفتها في القرن العشرين، لكنها انقطعت عن مسيرة التطور التي عرفتها سائر اللغات الأخرى، الأوربية منها بالخصوص. وهذا شأن كل مناحي حياة المجتمع المغربي الذي انعزل عن التحولات العلمية والصناعية خصوصا في أوربا.
العامل السياسي
يتفق جل المؤرخين على ظاهرة أساسية وسمت التاريخ المغربي، خصوصا منذ النصف الثاني للقرن 19. إنها ظاهرة انشطار المغرب إلى قسمين "بلاد المخزن" و"بلاد السيبة"، وحتى المخزن في وثائقه يشير إلى هذه الازدواجية بنعته مناطق السيبة المخضعة بكونها "حديثة العهد بالمخزن".
هذا التفكك السياسي وانعدام الوحدة السياسية، ليست ظاهرة خاصة بالمجتمع المغربي، بل عرفتها جل البلدان التي سادت فيها بنيات إنتاج ما قبل رأسمالية. ولذلك اعتبر تحقيق الوحدة السياسية من بديهيات مهام الثورات البورجوازية في تلك البلدان. كان من شأن تطور الرأسمالية كنظام اقتصادي أن يدفع تلك الوحدة إلى التحقق، ومن شأن عدم تطوره الإبقاء على حالة التفكك وتنمية النزعات المعادية للمركزة.
عاش المجتمع المغربي نفس دورات تعاقب الأنظمة السياسية التي عاشتها بلدان من نمط إنتاج آسيوي: اضطهاد النظام السياسي الذي يرتخي تحكمه بالبلاد، ارتفاع الضرائب على الفلاحين التي يزيدها فداحة قساوة الطبيعة وتحكمها أكثر في الإنتاج (الكوارث الطبيعية والأوبئة..)، تسلط الموظفين والبيروقراطيين الذين يستغلون ارتخاء الروابط مع الحكم المركزي، تمرد الفلاحين، ظهور قائد من عائلة أو قبيلة قوية وتزعمه لانتفاضة الفلاحين، بناء دولة جديدة، توسع هذه الدولة وحاجتها إلى موارد مالية هائلة لتمويل البلاط والجيش، مما يدفعها من جديد إلى رفع الضرائب على فلاحين مملقين أرهقتهم صعوبة المجال، فتعيد نفس السيناريو. كان هذا وراء تعاقب الأسر الحاكمة بالمغرب منذ المرابطين.
كان المغرب بلدا متخلفا، لكنه تخلف ذو طبيعة استثنائية يغلفه ماض عريق. عرف المغرب أوج حضارته(ق 12/13) في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين الأوائل (حكموا خلالها الأندلس وشمال أفريقيا وجزءا من بلاد السودان). ارتكزت على ازدهار اقتصادي نابع من نمو التجارة بعيدة المدى (إسبانيا والمراسي الأوربية الموجودة بالمتوسط والسودان). تعزز بذلك الإنتاج الصناعي؛ حيث تضاعفت الصناعات التقليدية في المراسي والواحات والمدن الداخلية، وكان هذا محفزا لنمو المدن الكبرى فاس ومراكش. وتعددت واتسعت المبادلات الداخلية وكان لذلك انعكاسات هامة: سيطرة الاقتصاد الحضري تدريجيا على الحياة القروية دون أن تعرف التقنيات التقليدية أي تطور.
استفادت الدولة المغربية من هذا الازدهار لتؤمن الاستقرار السياسي خلال ق 12 و13 ساعد على تطوير الازدهار المذكور: استرجاع البلاد استقرارها بعد خمود الصراع حول السلطة. هذا الاستقرار لم يكن ممكنا إلا بفضل الرخاء الاقتصادي الذي يضمن للسلطان الموارد الضرورية لتموين جهاز الدولة الإداري والعسكري.
تأمن هذا الاستقرار بفضل نشاط بورجوازية قوية ومثقفة، كانت أكبر مستفيد من النشاط الذي كانت تحركه وتسيره (مد المخزن بالكوادر ورجال الدولة)، وكان من مصلحتها أن تتدعم السلطة المخزنية بغية توسيع هيمنتها على البلاد.
لكن هذا الازدهار لم يدم، أولا لأن ما قام عليه ليس نابعا من تطوير قوى الإنتاج بالمغرب، بل معتمدا على ما تدره تجارة الوساطة بين أفريقيا وأوربا، وثانيا لأن الفوائض التي حققتها هذه التجارة صرفت على ترف السلاطين وبناء الق

المزيد


الحركة الامازيغية

مايو 31st, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

 

الحركة الثقافية الأمازيغية والفاشية أية علاقة؟ -ضد القواعد الخلفية للثورة المضادة-
خالد المهدي

لقد سبق وان حاولنا في العديد من المقالات السابقة التأكيد على أهمية عنصر التنظيم داخل الحركة الشيوعية بالمغرب، وقد اعتبرناه ذا أهمية حاسمة في المرحلة الراهنة من تطور الحركة خصوصا وان النقاش العلني لا يستطيع أن تستوعبه المجالات العلنية التي اخترقها الشيوعيون في اللحظة الراهنة، فغياب النقاش المنظم يفتح المجال للعديد من التأويلات ويمنع من إيصال الأفكار والمواقف بالشكل المطلوب في العديد من المجالات خصوصا بين المناضلين الذين تختلف مجالات معرفتهم المباشرة وغير المباشرة. وهذا ما عبر عنه مقال الرفيق آمال الحسين ردا على ما كتبته في مقال " تحيا الأمازيغية الموت للفاشية".
فالرفيق الحسين لم يستطع إدارك إلى من يتم توجيه الرسائل والنقد. فلو كان متتبعا لما يحدث داخل الحركة بانتباه أكثر لما سقط في هذا الواقع، بل إن الأمر هو اكبر من أن نحصره في عدم تتبع ما قد يطفوا إلى السطح من حين لآخر. فقد ساق الرفيق الحسين المقولة التي استشهدت بها: "إن الخط السياسي صحيحا أم خاطئا يقرر كل شيء" معتبرا أنني اعتبر "الاختلاف في التعاطي مع هذه الأحداث بمثابة تشتت في صفوف الحركة الماركسية اللينينية(!!) مما مهد له الطريق لمناقشة ما كتبته حول هذه الأحداث". تمهل أيها الرفيق في إصدار الأحكام، فالكلام لا يعنيك هنا إطلاقا. إنما المقصود هم أولئك الذين أرادوا بحماقاتهم تحريف الصراع ضد الشوفينيين في اتجاهات لا تخدم سوى أعداء الحركة الطلابية…فحاول أيها الرفيق إعادة قرائة ما كتبته بتمعن أكثر و سوف تدرك ذلك. وعدم إدارك إلى من يتم توجيه الكلام كان وحده كافيا -في اعتقادي- لمجانبة الصواب في العديد من المواقف التي أصدرها الرفيق الحسين فيما بعد.
أما فيما يتعلق بما كتبته حول ما قاله الرفيق الحسين فسوف أوضحه بتفصيل أكثر. لكن قبل ذلك سوف أتناول الأطروحة الأساسية في مقالي وهي التي ( في اعتقادي) تستحقق أكثر من غيرها النقد والتحليل. لقد قلت إن الثورة تنمو في ترافق تام مع الثورة المضادة، إنها صيرورة يحكمها التناقض بينها وبين الثورة المضادة. والثورة المضادة تأخذ أشكالا مختلفة التنوع باختلاف وتنوع الخصائص الثقافية والقومية والاجتماعية العامة للبلد المعني. وما عكسته الأحداث الأخيرة التي شهدتها الجامعة المغربية يوضح بجلاء في أي الطرقات تنمو وتتطور الثورة المضادة، وكيف تبنى لها قواعد خلفية في صفوف الجماهير الشعبية.
تلك هي الأطروحة الأساسية والجوهرية التي تستحق في اعتقادي النقد والاهتمام. وعوضا عن ذلك ذهب الرفيق يأول المقولات ويستنتج ما يحلوا له أو ما يعتقده… الخ تاركا ما هو أهم في النقاش، وسوف أسوق بعض الأمثلة فيما بعد، أما الآن فسوف نوضح هذه الأطروحة.
إن الرفيق الحسين الذي اعتبر تحديدي لجزء من الحركة الثقافية الامازيغية بأنها فاشية فيه شيء من المبالغة والتي تنهال حسب الرفيق من "عدم ضبط هذا المفهوم من منطلق التحليل الماركسي".
أما الفاشية – حسب التحليل الماركسي للرفيق الحسين- فهي "مرحلة تاريخية عاشتها الرأسمالية في أزمتها التاريخية خلال مطلع القرن العشرين والتي أعطت أنظمة فاشية في ارو ربا،…"
إن الفاشية أيها الرفيق ليست إطلاقا بمرحلة تاريخية عاشتها الرأسمالية، والقول بذلك لا يعني فقط عدم "ضبط هذا المفهوم من منطلق التحليل الماركسي"، كما يتهمنا بذلك الرفيق الحسين، بل عدم ضبط حتى مفهوم " المرحلة التاريخية" ومحدداتها. و حتى لا ندخل في نقاش مفهوم المرحلة التاريخية و نبتعد عن جوهر النقاش، كما يفعل الرفيق الحسين، سوف نتناول فقط ما هو أساسي في الموضوع.
إن الفاشية هي حركة ملازمة للامبريالية جوهرها الأساسي هو المعاداة المطلقة للشيوعية وخصائصها هي العنف والإرهاب المنظم.
تاريخيا ظهرت الفاشية كحركة منظمة من طرف الامبريالية بعد انتصار ثورة 1917 ودخول عصر الثورة الاشتراكية العالمية. والفاشية تحمل مشروع تحريف الجماهير عن الشيوعية من خلال إذكاء النعرات العنصرية و الشوفينية… إلخ فالدول الرأسمالية كانت تفضل استعمال الأحزاب الاشتراكية-الديمقراطية لتشويه وعي الجماهير وتلجيمها، غير ان استعمال الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية لتشويه وعي الجماهير خصوصا بعد الخروج من مأساة الحرب العالمية الأولى ونشوء وتطور الأحزاب الشيوعية وتوسع نطاقها خصوصا في مرحلة الأممية الثالثة قد جعل من البرجوازية ترفع من حدة الصراع الطبقي ومن تشديد سيطرتها. وقد ساعدت المجموعات البرجوازية الامبريالية بكل قوتها تكوين المجموعات الفاشية المعادية للشيوعيين والثوريين معتمدة بذلك على ما هو حساس بالنسبة للجماهير (البعد العرقي، البعد الجغرافي،… الخ.)
إن الفاشية حركة تسعى إلى احتواء أوسع قاعدة من الجماهير الشعبية وتجييشها معتمدة في ذلك على الترويج لكل ما هو بعيد عن الفكر التقدمي و على كل ما هو مؤثر في إحساس و شعور الجماهير.
إن ما تقوم به الامبرياليات، والامبريالية الأمريكية بشكل خاص بكل من إفريقيا وآسيا، وأمريكا اللاتينية من تدعيم صريح ومكشوف للمجموعات والمنظمات المضادة للثورة يستحق بكل تأكيد من كل ماركسي يطرح في جدول أعماله المباشرة التهييء للثورة المزيد من الانتباه والدراسة.
فإن احد أهم الوسائل إن لم نقل الوسيلة الأساسية والمفضلة لمهاجمة الثورة إنما هي تكوين وتوسيع نطاق المجموعات الفاشية.إنها القواعد الأساسية للثورة المضادة، ففي الهند حيث تخوض الجماهير بقيادة الحزب الشيوعي الماوي الحرب الشعبية منذ عدة عقود، متمكنة من تحرير جزء كبير من شرق البلاد، تعتبر المجموعات الفاشية المكونة على قاعدة القومية اكبر تهديد للثورة. فمع نمو نضالات الجماهير الشعبية و ما تحققه الحرب الشعبية من انتصارات تم تأجيج الصراعات الطاحنة و الدموية بين الهندوس و المسلمين خصوصا مند سنوات التسعينيات، و الدفع بانتشار الايديولوجية القومية الرجعية العنصرية و الدينية للحزب الهندوس BJP من أجل تقسيم وحدة االجماهير ليتطور هذا النمو الرجعي المضاد للثورة حيث عمدت الرجعية الهندية سنة 2005على تأسيس قرية ضد المتمردين قرية - Salwar Judum-بمقاطعة Dantewara تستعمل نفس مبادئ القرى التي اعتمدتها الامبريابية الامريكية و الفرنسية مند سنوات: تدعيم الأقليات القبلية و القوميات المضطهدة لتقسيم البلدان و تفكيك وحدة الشعب و قتل الجماهير و الثوريين. بقبرص نجد الحركة الشعبية الوطنية المدعومة من طرف الرجعية التركية أهم وسيلة لضرب الجماهير التي تنادي بالتغيير و تناضل من أجل إسقاط الرجعية العميلة لتركيا، إن "الحركة الشعبية الوطنية" تستخدم النعرات الشوفينية لتبرير جرائمها ضد الثوريين و لفض وحدت الشعب خدمة لأسيادها الرجعيين بتركيا. بالكونغو اعتمدت القوى الامبريالية و خصوصا الفرنسية و القوى الرجعية على إذكاء الصراعات القبلية و القومية بين الهوتو و التيتسي من أجل تزييف وعي الجماهير و ثنيها على الثورة لتثبيت سيطرتها. نفس التكتيك نجده بالعراق الصراع ضد المقاومة الوطنية و ضد الثوريين يأخذ أيضا شكل تدعيم القوى الشوفينية العربية و الكردية العميلة و القوى الإسلامية الظلامية (السنة و الشيعة)، و الهدف واضح قتل الثوريين و تقسيم الجماهير الشعبية و منع وحدتها. في البيرو تشكل الجمعيات التنموية* وبعض المجموعات الفاشية المكون على أساس القومية و المستثمرة لما تعاني منه بعض القوميات من اضطهاد أساس الثورة المضادة، في إيران قد رأينا ماذا فعلت الفاشية بالشيوعيين وبالثورة، في الجزائر وفي السودان والكاميرون…إلخ و الأمثلة عديدة وكثيرة. إن المرحلة الراهنة من الصراع الطبقي على النطاق العالمي إنما توضح بجلاء نمو الهجوم الإرهابي للامبريالية و تصعيد وتيرته و استخدام كل الوسائل و على رأسها إثارة الحقد بين القوميات وخصوصا داخل المجتمعات المتعددة القوميات من أجل منع وحدة الشعب و تأسيس قواعد الثورة المضادة. وما يعرفه الصراع الطبقي ببلادنا من انتعاش للحركة الجماهيرية ومن نمو لطابعها الكفاحي ومن نمو نسبي للحركة الشيوعية كلها دلائل واضحة على اتجاهات الصراع الطبقي. إن ما تعرفه اليوم الحركة الثقافية الامازيغية من نمو واضح لجناح رجعي معاد بشكل كلي للشيوعية، ومعتمد بشكل كلي على إثارة النعرات الإثنية وعلى الشوفينية يوضح بجلاء الطابع الفاشي لهذا الاتجاه، ويوضح معه أي واجبات إيديولوجية وسياسية وتنظيمية ملقاة على عاتقنا نحن الشيوعيون اتجاه هذه القوى الفاشية. إنها تشكل القواعد الخلفية للثورة المضادة وواجبنا هو محاصرتها بكل الوسائل وأهمها تقديم الإجابات العلمية حول المسألة الأمازيغية وترجمتها برنامجيا في صفوف الجماهير و توضيح مضمون هذا الجناح الفاشي الذي و التشديد على ذلك و تبيان اتجاهات تطوره.
إن هذه الأطروحة هي ما كان من المفترض أن يناقشها الرفيق الحسين، فهي الأكثر أهمية لتحديد آفاق و مستقبل الثورة ببلادنا، لكن عوضا عن ذلك فقد ذهب الرفيق يتحدث عن الجامعة وما يتعلق بها!!
أما فيما قاله الرفيق الحسين حول تلك المسائل فسوف نتناوله فيما سوف يأتي من هذا المقال:
فقد كتب الرفيق الحسين قائلا: " ….إن جميع الأطراف المعنية من ماركسيين لينييين وصحراويين و أمازيغ ينتمون إلى الطبقات الشعبية التي يتم استغلالها من طرف الطبقات المسيطرة من رأسماليين وملاكين عقاريين كبار، لهذا فالانتماء الطبقي يحتم على هذه الأطراف التوحد وليس التشرذم والصراع الثانوي الذي يخدم مصالح التحالف الطبقي المسيطر…"
أولا إن مقابلة الماركسيين اللينينيين و الصحروايين والأمازيغ على هذا النحو خاطئ تماما، فالماركسيون اللينينيون يحددهم خطهم الإيديولوجي والسياسي وهم مكونون من الأمازيغ ومن العرب وحتى من الصحراويين، والأمازيغ يحددهم انتمائهم القومي وليس السياسي، ففيهم الماركسيون اللينينيون، أمثال الشهيد عبد الرحمان الحسناوي، وفيهم الاصطلاحيون، وفيهم كذلك الفاشيون والرجعيون، نفس الشيء يمكن قوله عن الصحراويين.
ثانيا: وهذا ما حاولت أن أنتقده في فكرة الرفيق الحسين، التي تقول إن "الانتماء إلى الطبقات الشعبية يحتم على هذه الأطراف التوحد وليس التشردم"، فعندما يكون التحليل الذي يقول عن نفسه ماركسي لا يجد من حجة لنبد الصراع سوى الانتماء إل

المزيد


مسؤولية المثقف عن العنف في العالم العربي

مايو 31st, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

 

مسؤولية المثقف عن "العنف "السائد في العالم العربي

من الخطأ الفادح الاعتقاد ان حالة العنف يمكن ان تسود المجتمع، هكذا فجأة وبتأثير حفنة من المغامرين والقتلة. ان حالة العنف لا تسود الا بوجود تراكم خلال سنوات طويلة لمشاعر الالم والحزن والحقد في نفوس غالبية ابناء المجتمع، نتيجة تراكم المعانات الحياتية المتمثلة بالفقر والقمع والاذلال والخيبات والنكسات الشخصية والوطنية.
لكن هذه المشاعر النفسية السلبية المتراكمة لا تكفي وحدها لانفجار العنف وتوجيهه وتنظيمه، واختيار العدو المفترض الذي يعتبر هو المسبب لكل هذه المعانات المتراكمة، والذي قد يكون الطبقة الحاكمة او الطائفة المنافسة او الحزب الخصم او حتى الدولة الفلانية الجارة او البعيدة..
العنف قبل ان يقوم بالسلاح يقوم اولا بالقناعة وبالفكر، أي بالثقافة. يخطأ من يعتقد ان الحرب، اية حرب، دولية كانت ام حزبية او طائفية، تقوم بتأثير حفنة من القادة والمحاربين والمتطرفين. بل هي تقوم اولا، وتتغذي وتبرر ديمومتها، بواسطة شبكة واسعة ومعقدة من القناعات والمواقف الثقافية والنفسية التي تمنح للمحاربين زخما للتضحية بالنفس وللحقد على الخصوم وتبرير قتلهم. وهذه الشبكة الثقافية الواسعة، لا يمكن ابدا لحزب او منظمة او جهاز، وحده ان يصنعها، وفي فترة زمنية قصيرة، بل تشترك في صنع هذه القناعات والمواقف جهات ثقافية وسياسية ودينية متعددة ومختلفة وليس بينها اية تنسيق بل ربما هي مختلفة ومتصارعة، لكنها خلال فترة طويلة اشتركت من دون قصد وبأشكال مختلفة ببث وتبرير هذه القناعات والمواقف اللتي تشجع الحقد على الذات وعلى الآخر وتبرر مفهوم التضحية بالنفس باسم الاستشهاد، والانتقام من الآخر وقتله باعتباره عدو.
العنف الاوربي
لو اخذنا كمثال، حالة عنفية معروفة، هي الحرب العالمية الثانية اواسط القرن الماضي، لوجدنا ان هذه الحرب ما اندلعت الا كتعبير عملي عن ثقافة العنف التي كانت سائدة حينذاك، ومن اجل تفريغ شحنات الحقد والعداء للآخر التي تراكمت في نفوس الاوربيين ، خلال سنوات طويلة من المظالم الوطنية والطبقية. ان من يراجع النتاجات الثقافية السائدة في اوربا قبل اندلاع الحرب، يلاحظ بكل وضوح طغيان النصوص والخطابات التي تدعو الى العنف وتبرر التضحية بالذات وقتل الآخر. وهي دعوات مختلفة الأسس الآيدلوجية، فكان هنالك اليسار الذي ظل يدعو الى الثورة العمالية الساحقة التي(ستقضي وتدمر وتمحق!) الطبقة الرأسمالية. وكان هنالك اليمين القومي المتطرف(مثل النازية والفاشية) التي كانت تدعو الى النقاء العرقي و(القضاء التام!) على كل العناصر والجماعات (الخائنة!) التي ترفض هذا النقاء وتقبل بتلوث الدم الآري النقي! بل حتى التيارات الديمقراطية البرجوازية بكل ما تمتلك من سطوة اعلامية وثقافية، كانت لا تكف عن شحن الناس بالعداء والرعب المرضي من اليسار والحركة العمالية وحلفاء روسيا الاشتراكية. كل هذه التيارات السياسية لم تكن تعتمد فقط على اجهزتها الحزبية، بل كان بجانبها آلاف مؤلفة من المثقفين والصحفيين من اعضاء واصدقاء ومتعاطفين، وكلهم كانوا يعبرون عن مواقفهم العنفية التعصبية والعدائية بصورة مباشرة وغير مباشرة، حتى من خلال النصوص الادبية واللوحات الفنية والدراسات العلمية. يكفينا ان نتذكر كمثال بسيط، الرواية الشهرية (العقب الحديدية) للكاتب الامريكي جاك لندن، والتي دعت وبررت وصورت الثورة العمالية العنفية المدمرة. بالاضافة الى تلك الكتابات والبحوث العديدة التي ادعت العلمية الصارمة وكونت ذلك العلم العنصري المعروف المسمى( اثنولوجيا ـ علم الاعراق) والذي من خلاله تم الحديث عن (اعراق غبية) و(اعراق ذكية) عليها ان تحافظ على نقائها العرقي.
يتوجب التذكير ان ثقافة العنف والحقد، وحدها لا تكفي لاندلاع حالة العنف، بل هي لا تنمو وتؤثر لولا الا بوجود واقع حي يدعمها، قائم على اساس الظلم الوطني والاجتماعي. ان (ثقافة) وطاقة العنف والحقد هذه، بمختلف مسميتها وأسبابها، ظلت تتراكم في نفوس وعقول الاوربيين ونخبهم المؤثرة، مع ديمومة الظلم والمعانات في الواقع الاجتماعي والوطني، حتى تفجرت اخيرا على شكل حرب اوربية(عالمية)..
الثقافة العنفية في منطقتنا
اما بالنسبة للحالة الثقافية العراقية، فأنها كما هو معروف متأثرة كثيرا بالثقافة السائدة في العالم العربي وبالذات في بلدان الشام وعموم الشرق الاوسط. في نهاية الستينات واعوام السبعينات سادت شعوب المنطقة افكار اليسار الثوري وهيمنت الشعارات العنفية التي تبرر الحقد والكفاح الدموي، ضد العدو الطبقي(الاقطاع والبرجوازية وعموم الفئات الرجعية!)، وضد العدو القومي المتمثل بالامبريالية والصهيونية. وقد سادت لغة الثقافة والصحافة والشارع الشعارات العنفية : (( السلطة تأتي عبر فوهة البندقية.. حرب التحرير الشعبية..العصيان المسلح..تحرير المدينة عبر الريف.. تفجير الثورة الشاملة..)). اصبحت هذه الشعارات مقدسة وأي تشكيك بها يؤدي الى تهم جاهزة من نوعية الجبن والخيانة والخنوع والميول الاصلاحية والبرجوازية الصغيرة والتهادن مع الصهيونية والامبريالية، وهلم جرا.. وكان نموذج الثورات الفرنسية والروسية والصينية والكوبية والفيتنامية، هو المثال المقدس الذي يجب على كل شعوب المنطقة الاهتداء به. اصبح النضال ضد اسرائيل مرتبطا بالعمليات المسلحة. والطريف ان اليسار قد تبنى مفردات استشهادية ذات معاني دينية مثل تسمية(الفدائي!). وكان الفدائيين اليساريين(وليس الاسلاميين!!) الفلسطينيين والعراقيين هم اول من قام بالعمليات الانتحارية في اسرائيل، اوائل السبعينات، ومن اشهرها (عملية الخالصة) التي انتحر فيها عدة عراقيين من اعضاء الجبهة الشعبية/ جورج حبش!
وفي هذه الاثناء اندلعت الحرب الللبنانية، لكي تصبح بيروت معقل كل الثوريين القادمين من انحاء العالم، والحالمين بأنهار الدم التي ستغسل عن المنطقة والعالم اجمع اقذار الظلم الطبقى والوطني! كالعادة خلقت هذه المنظمات العنفية نخبها القيادية التي تستفيد وتعتاش على(ثقافة الموت) هذه. الكل كان يقبض من الكل. عشرات الدول راحت تدفع، خوفا او محبة، لكي تستفيد من الكعكة الثورية المسلحة. من السعودية الوهابية الى صدام البعثي الى اليمن الماركسي الى القذافي الناصري ومعهم السوفييت والصين وفرنسا وامريكا.. كلهم راحوا يدفعون ليجيروا ثقافة العنف والعمليات العنفية لصالحهم. طبعا، مثل كل حرب، كالعادة تم خلق معسكرين متقابلين: معسكر(القوى الوطنية التقدمية) المدعومة من اليسار العالمي، ومعسكر(القوى اليمينية) المدعوم

المزيد


الشبيبة الشيوعية

مايو 31st, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

 

إلى الشبيبة الشيوعية

 

ضاحكين جاؤوا اليّ مع نسمة الصبح النديّة. مددت اليهم يديّ فكانوا حنّاء يزين كفيّ، يا ضحكة الحناء البهية! اعدتم النفس الى عنفوانها فتيّة، اباؤها طافح بالكبرياء دونه المنيّة، مغتبط انا فيكم، رفيق ورفيق يا خليليّ!
انتزعتم القلق من قلبي على الغد الآتي، واهديتم املي جناحيّ ملك الجو احلق بهما علوا مستصغرا بتيجان الملوك الذهبية ومستكبرا حبات القمح السخية، هازئا من ذهب اصبح ترفا على رؤوس السلاطين ومبجّلا قمحا صار رغيف خبز يسدّ رمق المحتاجين. يزين الذهب ظلهم فيزداد بشاعة وتشبعنا حبات القمح فنزداد صلابة. يا ذهب الظلم الزائل في تاج الملوك المائل، ألا تخجل من عطاء السنابل؟!
اتنفس الآن بهدوء متحررا من اللهاث. فثمة ما يثلج الصدر، يُطمئن الفكر ويحلو به العمر، قلوبكم النابضة بالكفاح وعيونكم المنتفضة على الظلم واكفّكم القابضة على الرايات الحمراء الخفاقة. حضوركم ميدان نضال. حناجركم تصنع المظاهرة وتُكسب الشعار قيمته الهدارة. ارادة لا تستكين لنفوس العاجزين، بل تواصل التقدم نحو النصر تدوس المرارة والخسارة.
عندما انام ذات يوم نومتي الأبدية احملوني على ا

المزيد


اسئلة العمل الجمعوي

مايو 31st, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

 

مقدمة في المساءلة والأسئلة الراهنةالعمل الجمعوي الثقافي 1

عبد الكريم وشاشا

 

تكتيك شهير، يتمثل في احتواء
وحيازة نفس المفاهيم بعد اختلاسها وإفراغها
من كل مدلول، تحت إستراتيجية كبرى
وشاملة، إستراتيجية الهيمنة والقوة وامتلاك المعنى والحقيقة

1- المساءلة

* العمل الجمعوي الثقافي(2) لم يستمد وجوده ومقوماته من إرادته المستقلة. كانت دائما حريته مقيدة وأفقه رهين بالأسئلة التي يطرحها "الحزبي" والأجوبة التي يصوغها. وعندما انتكص هذا الأخير وتراجع فلولا مهزومة محبطة، أصيب العمل الجمعوي الثقافي بانتكاسة حادة، على إثرها غابت جمعيات عتيدة أو تراجع أداؤها، وانطفأت منابر ثقافية خطيرة ( الزمن المغربي – المقدمة – جسور – الثقافة الجديدة – أقلام …) كانت تلعب دورا مهما في بلورة الوعي تركت فراغا قاتلا استثمره " المخزن" بامتياز، بإشرافه ورعايته للفكر الغيبي الخرافي

* غياب مشروع ثقافي ترك العمل الجمعوي الثقافي يصطدم بمراسيم جافة فقيرة، وطقوس رتيبة تأطرها مقولات قطعية، كسولة ومبتسرة أغلبها مستمد من قراءة اختزالية للفكر الاشتراكي.

* أزمة العمل الجمعوي الثقافي هي جزء من أزمة فكر اليسار، وأزمة نخبة تمخزنت(3) وجزء من أزمة فكر خرج مهزوما من معركته التاريخية مع الرأسمالية العالمية.
2 الأسئلة الراهنة
- خلخلة القواعد الذهنية التي تركن للمألوف والمعتاد والنمطي للقطع مع زمن القرون الوسطى والولوج إلى عتبة الحداثة بآفاقها الرحبة ال

المزيد


اي مستقبل لليسار في القرن21

أبريل 19th, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

اي مستقبل لليسار في القرن الواحد والعشرين …
في الأول من آذار/مارس 2005، تم في مدينة مونتيفيديو، عاصمة جمهورية أوروغواي الأميركية الجنوبية، تنصيب تاباري رامون فاسكيس رئيساً للجمهورية، بعد أن انتخب بأغلبية الأصوات منذ الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية متعددة المرشحين التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
 أول رئيس يساري لأوروغواي…والـ"توباماروس" في السلطة وبذلك، يكون فاسكيس الرئيس اليساري الأول الذي يصل الى رأس السلطة في هذا البلد، الذي تقاسم الحكم فيه خلال أكثر من قرن ونصف القرن من الزمن حزبان تقليديان (بلانكوس وكولورادوس) اتبعا سياسة محافظة داخلياً وخاضعة للولايات المتحدة خارجياً. وذلك في مرحلة تاريخية ساد فيها "مبدأ مونرو"، المبدأ الذي يحمل اسم أحد الرؤساء الأميركيين في مطلع القرن التاسع عشر، والقاضي باعتبار مجمل القارة، بشمالها ووسطها وجنوبها، منطقة نفوذ للولايات المتحدة. والرئيس الجديد لأوروغواي جاء على خلفية موجة من الإستياء الشعبي العارم بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عصفت بالبلد وبمعظم القارة الجنوبية بين العامين 1999 و2003 بفعل سياسات "الليبرالية الجديدة" والعولمة الرأسمالية التي تتبناها وتنصح بها وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
 والى جانب الرئيس الجديد لأوروغواي، نجحت في انتخابات أواخر العام المنصرم أحزاب يسارية، بعضها مارس الكفاح العنيف في الماضي، في السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، من خلال ما سمي بـ"الجبهة العريضة"، التي ضمت الشيوعيين والاشتراكيين وورثة حركة "توباماروس"، التي اشتهرت في ستينات ومطلع سبعينات القرن المنصرم بأعمالها العنيفة في المدن ضد الفاسدين وسلطتهم ولمصلحة الفئات الفقيرة والمستغلة من الشعب، التي كانت توزع عليها الأموال والمواد العينية التي يجري الاستيلاء عليها في عمليات فدائيي هذا التنظيم.
 وبهذا الانتصار الانتخابي الواسع لتكتل اليسار، أصبح خوسيه موهيكا، الذي أمضى 15 عاماً في سجون الرجعية والدكتاتورية وقضى قسماً منها في بئر ماء قديم، أصبح رئيساً لمجلس الشيوخ… في حين أصبحت نورا كاسترو، من قيادات حركة التحرر الوطني "توباماروس"، رئيسة لمجلس النواب. والأخيرة، وهي أول إمرأة تحتل هذا الموقع في تاريخ البلد، صرحت لصحيفة "لوموند" الفرنسية في عددها الصادر في 1/3/2005 بأنها لا زالت من "توباماروس"، بالرغم من أن هذا التنظيم غيّر من أساليب عمله وتقدم للانتخابات النيابية تحت اسم آخر هو "حركة المشاركة الشعبية". وقد تمكن من تحقيق أفضل النتائج بين أحزاب "الجبهة العريضة" المؤتلفة حيث حصل وحده على 30% من أصوات الناخبين. هذا، وشارك في الاحتفال بتنصيب الرئيس الجديد لأوروغواي رئيس فنزويلا، أوغو تشافيس، الغني عن التعريف بسبب جرأته وشعبيته الاستثنائية، التي جعلته ينتصر في تسع معارك انتخابية في ظرف سبع سنوات، ودفاعه عن فقراء شعبه ومواجهاته المتكررة والمتصاعدة مع سياسات الولايات المتحدة. كما حضر رئيس البرازيل المجاورة، اليساري والنقابي السابق لويس إنياسيو داسيلفا المشهور بلقب "لولا"، وكذلك رئيس الارجنتين المجاورة اليساري أيضاً، نستور كيرشنير، وغيرهم من الجيل القيادي اليساري الجديد الصاعد في أميركا اللاتينية منذ أواخر القرن المنصرم. أما كوبا، الدولة التي شكلت مصدراً للوحي والمعاضدة لكل حركات اليسار في أميركا اللاتينية خلال العقود الماضية، فقد تمثلت في الاحتقال بوزير خارجيتها، بعد أن اعتذر الرئيس الكوبي فيديل كاسترو عن الحضور بسبب وعكة صحية.
 ثلاثة أرباع أميركا الجنوبية في ظل أنظمة يسارية
وهكذا، يصبح ثلاثة أرباع سكان أميركا الجنوبية، وهم زهاء الـ370 مليون نسمة، يعيشون في ظل أنظمة يسارية، كلها جاءت عن طريق الانتخاب الديمقراطي، وبتأييد شعبي واسع، وتحت شعارات مكافحة الفقر ومواجهة سياسات العولمة الرأسمالية و"الليبرالية الجديدة" ووصفات البنك الدولي وصندوق النقد. وحتى تشيلي، التي يحكمها حالياً نظام تقدمي معتدل، من المتوقع أن يفوز اليسار فيها في الانتخابات القادمة، كما في بوليفيا، وحتى المكسيك، ثاني أكبر بلد في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، والجار الجنوبي المباشر للولايات المتحدة.
 ولا شك أن بإمكان الطبيب الارجنتيني الذي شارك في قيادة الثورة الكوبية، ارنستو غيفارا المعروف بلقب "تشي"، والذي استشهد في العام 1967على أيدي رجال المخابرات المركزية الأميركية وأعوانهم المحليين وهو يحاول تنظيم صفوف المناضلين ضد البؤس والفقر والاستغلال الخارجي الأميركي الشمالي في بلد أميركي جنوبي فقير، هو بوليفيا، بامكانه أن يستريح في قبره، ويعتبر أن تضحيته الكبرى وتضحيات العديد من الثوار مثله في هذه القارة المنكوبة طوال عقود عديدة بالتدخلات الأميركية الشمالية وبالديكتاتوريات العسكرية الدموية، هذه التضحيات لم تذهب سدى، والرسالة التي أراد إيصالها باستشهاده قد وصلت.
 ولا يمكن أن نفصل هذا الانجاز لإرنستو تشي غيفارا ما بعد استشهاده عن الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه في إبقاء جذوة اليسار وتطلعاته التحررية حية في هذه المنطقة رفيق سلاحه وقائد ثورة كوبا الأول، فيديل كاسترو، الذي استوعب متطلبات وشروط نجاح قوى اليسار والتقدم في عصر العولمة الرأسمالية، ولم يسع الى إعادة انتاج النموذج الكوبي الخاص، غير القابل للتكرار، والذي يكفيه فخراً هذا الدور التاريخي الذي لعبه باحتضان ودعم كل مدارس اليسار وحركاته المتجددة والجديدة وتشجيعها على ابتداع الأشكال المناسبة من النضال والتنظيم التي تتلاءم مع تطورات الأوضاع في القارة والعالم.
 فقد أثبت كاسترو، رغم الانهيارات التي وقعت في الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية والتي كلّفت كوبا الكثير من المصاعب الاقتصادية والمعيشية بعد أن اعتمدت طويلاً على التبادل والتكامل الاقتصادي مع هذه الدول في المنظومة التي عرفت باسم "كوميكون"، أن التاريخ لم ينته في أميركا اللاتينية بانتصار الولايات المتحدة في "الحرب الباردة"، وأن شعوب القارة الفقيرة والمستغلة من جارها الشمالي المتجبّر قادرة على التأقلم مع الظروف الدولية الجديدة، ليس بمعنى الرضوخ والتسليم بواقع جديد، مؤقت حتماً، هو واقع التفرد الامبراطوري الأميركي بالنفوذ الكوني، وانما بمعنى ابتداع أشكال جديدة من التنظيم والعمل النضالي لمواصلة مهمات التحرر والتطور وانتصار الانسان في المعركة ضد الظلم والاستغلال والجشع حتى تتحقق أهداف شعوب القارة بالحرية الحقيقية وديمقراطية الغالبية الساحقة من الشعب وليس القلة الثرية المتنفذة.
 فهل تشهد مناطق أخرى من العالم تحولات شبيهة بتلك التي حصلت في السنوات الأخيرة في أميركا اللاتينية؟
 إذن، "نهاية التاريخ" لم تقع!
وهكذا يتبين أن الواقع، كما نراه اليوم في هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مختلف تماماً عما استخلصه بعض منظّري اليمين الأمير

المزيد


حقوق الانسان ام حقوق الشعب

أبريل 18th, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

 

سجال نظري في موضوع
حقوق الإنسان أم حقوق الشعب؟ اية صيغة لنضالات الاشتراكيين في الواجهة الحقوقية


تقديـــــــــــــــــــــم
لن نبالغ إذا ما قلنا أن أكثر نقط التلاقي اليوم، على المستوى الإيديولوجي والسياسي، بين الامبريالية والرجعية و التحريفية هي الزعيق حول ما يسمى "حقوق الإنسان".
فتحت يافطة هذه الحقوق يتم نشر الحرب والدمار عبر العالم، تحت يافطة هذا الشعار تتم الإبادة الجماعية للشعوب، وتحت هذا الشعار يتم رفع وتيرة الاستغلال، وبالتالي الاضطهاد وتحت يافطة هذه الحقوق يتم تشويه وعي البروليتاريا والجماهير الشعبية ونشر الأوهام التي تضمن للرجعيين استمرار سيطرتهم الطبقية، وتحت هذا الشعار أيضا يتم كبح جماح الجماهير في الرد المناسب على هجوم الطبقات المستغلة.
إن "حقوق الإنسان" مثله مثل أي مفهوم ايديولوجي وسياسي آخر كان وليدا لشروط تاريخية معينة هي بالضبط شروط انتصار البرجوازية. فمن اجل أن تمد سيطرتها الطبقية كان ولا بد للبرجوازية من أن تقدم نفسها وقوانينها باعتبارها قوانين شمولية، أي قوانين للمجتمع ككل. وتلك أحد الضمانات التي تمكن طبقة ما من بت سيطرتها على سائر الطبقات الأخرى داخل المجتمع.
إن "حقوق الإنسان" تعتبر بحق أداة فعالة في يد البرجوازية لسحق البروليتاريا والشعب سواء من الناحية الإيديولوجية، أو من الناحية السياسية العملية.
إيديولوجيا تشكل "حقوق الإنسان" المجال المفضل للبرجوازية و التحريفية – على حد سواء- لإلغاء واقع التمايز الطبقي، ففي الواقع لا يوجد هناك إنسان مجرد، بل هناك إنسان اجتماعي، وبالتالي إنسان ينتمي إلى طبقة محددة.
ومنه فالقول ب"حقوق الإنسان" لا تعدوا أن تكون حقوق الإنسان البرجوازي التي تضمن مصادرة حقوق الإنسان البروليتاري وحقوق الشعب، فحقوق الإنسان في الحرية وفي الحياة هي صيغة أخلاقية برجوازية مثالية منفصلة كليا عن الواقع، وهي تنطلق من المفاهيم لا من الواقع.
إن الشيوعيين والشيوعيات كانوا وكن دائما ضد إخفاء الأبعاد الطبقية. البرجوازيون وأذيالهم من التحريفيون هم من يحاولون إيهام الشعب بمثل هاته المفاهيم البرجوازية. وما قال إنجلز "إن الحرية لا تستقيم في حلم الاستقلال عن القوانين الطبعية، بل في معرفة هذه القوانين، وفيما تمنحه هذه المعرفة من إمكانية تشغيل تلك القوانين، بصورة منهاجية، في اتجاه أهداف محددة. وإن هذا لينطبق سواء على قوانين الطبيعة الخارجية أم على القوانين التي تسير الوجود الجسماني والذهني للبشر أنفسهم- وهما صنفان من القوانين يمكننا على الأكثر أن نفصلهما عن بعضهما بعضا في الفكر، لكن ليس في الواقع" انتي دوهرينغ ص 13
إن القوانين التي تتحكم في تطور المجتمع البرجوازي تؤكد ان هناك الاستغلال، وبالتالي شرطه المرافق أي الإضطهاد. إن الواقع يؤكد ان هناك الفلاح الفقير والاقطاعي، أن هناك الرأسمالي والبروليتاري، إن القفز على هذا الواقع، ووضع كل الأفراد في سلة واحدة تحت يافطة الإنسان، إنما هو اشد ما تحاول البرجوازية إيهام الشعب به مستخدمة في ذلك الدين والمناهج التعليمية، والإعلام، وكل الوسائل الايديويولوجية.
إن ما يضمن للإنسان حريته ليس هو على الإطلاق صفحات، بل وحتى مجلدات من القرارات حول حقوق الإنسان وما يستتبعه من مفاهيم ايديولوجية مثل التسامح والقبول بالآخر وعدم مصادرة حقوقهن غنما هي ممارسة رجعية تقف سدا منيعا أمام الثوريين، و أمام الجماهير حتى لا تتخلص من قيود البرجوازية وسيطرتها الطبقية.
في المجتمع العبودي كانت سيطرة الإنسان المباشرة والمادية على الإنسان، فالسيد كان يملك العبد، فلا يستطيع هذا الأخير ان يفعل أي شيء دون سماح السيد له بذلك بما في ذلك الزواج…إلخ.
غيران البرجوازية قد غيرت شكل العبودية وحافظت على جوهرها، أي سيطرة الإنسان على الإنسان. مشكلة بذلك مجتمعا عبوديا جديدا من حيث الشكل، فعوض أن يتم تملك الإنسان بشكل مباشر قد تمكن البرجوازية من تملك الإنسان بشكل غير مباشر، وذلك عن طريق تملك كل الوسائل التي تجعل الإنسان حرا وقادرا على الاستمرار في الحياة. فالإنسان يحتاج إلى الكل حتى يضمن استمرار وجوده، غير أن الأكل يتطلب وجود الأرض والزراعة التي تتطلب هي الأخرى الآلات ووسائل الإنتاج، غير أن الأرض ووسائل الإنتاج ليست ملكية للمجتمع وإنما هي ملكية فردية، وبهذا يكون غير المالك تابعا فعليا للمالـــك.
العبودية القديمة كانت تفرض على العبد العمل في حقوق السادة بالقوة وبالعنف، غير ان عبودية البروجوازية تضمن" حرية الأفراد" في العمل* أو عدمه، إلا ان غير المالك لا يمكنه ان يضمن أكله وشربه وسكنه بدون ان يعمل، وتبعا لذلك يجد نفسه غير حر، وإنما مجبرا على العمل لدى السيد الذي يملك الأرض والمعمل ووسائل العمل…إلخ.
في المجتمع العبودي القديم كانت حرية التعبير مصادرة بشكل كلين وغير مسموح بها سوى للسادة، أما المجتمع العبودي الحديث، فإنه يدعي بأنه يكفل حرية التعبير وحرية الصحافة( مع أن الواقع يؤكد يوما بعد آخر أن لا حرية التعبير ولا حرية الرأي مسموح بها) غير أن حرية التعبير عندما تفتقد لوسائل الدعاية من صحافة ووسائل إعلام ومطبعات إلخ… فإنها لا تعدوا أن تكون خدعة كاذبة.
إن المجتمع البرجوازي يتبجح بإعلانه ضمان حقوق الإنسان، وهو كذلك بالفعل يضمن هذه الحقوق ( في حدود معينة) لكنها حقوق الإنسان البرجوازي أساسا، حقوق الفرد في التملك وفي الأمن وفي الحرية، بما فيها حرية استغلال الآخر ومصادرة الحق في الثورة وفي كنس البرجوازية.
إن كل ذلك يجعلنا مقتنعين بأهمية النضال الإيديولوجي ضد كل هذه السخافات البرجوازية، يجب علينا كشيوعيين وشيوعيات فضح كل الادعاءات حول حقوق الإنسان وكشف نفاقها وتبيان خطورتها على حاضر و مستقبل الجماهير الشعبية وعلى ٍرأسها البروليتاريا.
إن أسمى حق نؤمن به نحن الشيوعيين والشيوعيات، إنما هو "حقنا في ان نثور" وهو قاعدتنا الأولى ومنطلقنا الأساسي.
يجب ان نصرخ عاليا ليس هناك إنسان مجرد، وإنما هناك إنسان بروليتاري مستغَل وإنسان آخر مستغل، هناك إنسان فلاح فقير مقهور وإنسان إقطاعي قاهر، هناك إنسان مستعبَد كادح وهناك إنسان مستعبٍِِِد ، هذه هي القاعدة التي ننطلق منها لتوجيه ممارستنا داخل المجتمع الطبقي.
يجب أن نعلن كشيوعيين وشيوعيات بشكل واضح وصريح انحيازنا الكلي والشامل إلى جانب الإنسان المستغل والمضطهد ضد الإنسان المستغل والمضطهد، وان نعمل على تربية الجماهير على رؤية هذا التمايز واستحضاره في كل لحظة، و أن لا نكل من النضال ضد تزييف وعي الجماهير ونشر بضائع البرجوازية في عقولها وأذهانها.
إننا نناضل إلى جانب الجماهير حتى نمكنها من حمل الوسائل اللازمة لكسر عظام الرجعيين والمستغلين وشق رؤوسهم لا لضمان حقوقهم، بل لمصادرة ديكتاتوريتهم وهذا كنه ومضمون كل نضال الماركسيين والماركسيات.
ولكي نمكن القراء من الإطلاع أكثر على رؤية وموقف الماركسيين من ما يسمى "حقوق الإنسان" نقدم هذا النص: "حقوق الإنسان، أم حقوق الشعب؟" الذي تمت صياغته في إطار الذكرى الخمسين لما يسمى " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وذلك في سياق يوم دراسي نظم بهذه المناسبة بمشاركة كل من تجمع مناهضة الامبريالية والحزب الشيوعي بتركيا/ماركسي- لينيني، وورش الدراسات الفرنسية البيروفية، بباريس 1998، وقد تمت ترجمته إلى اللغة العربية

خالد المهدي


حقوق الإنسان أم حقوق الشعب؟
«الدفاع عن حقوق الشعب والدفاع عن المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الحرب»
«تتناقض حقوق الإنسان مع حقوق الشعب، لأننا نعتمد على مفهوم الإنسان كمنتوج اجتماعي وليس على مفهوم الإنسان المجرد ذو الحقوق الفطرية، كما ننطلق من كوننا لا نلتزم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولا بإعلان كوستاريكا، لكنه باستطاعتنا استخدام وضعيتهم الشرعية من اجل التنديد ونزع القناع عن الدولة القديمة، عن مؤسساتها، منظماتها وسلطاتها، مبتدئين بقادتها و موظفيها، والتابعين لها الذين ينتهكون باستمرار تعهداتهم الدولية الخاصة بهم، بالإضافة إلى ذلك فنحن نناضل من اجل أن تحترم الدولة القديمة الحقوق الأساسية التي انتزعها الشعب وحققها في الدستور والقوانين والأعراف».
لقد أردنا من هذا المقتطف للرئيس كونزالو أن نوضح موقفنا كماركسيين- لينينيين - ماويين على اعتبار أنه بالنسبة لنا ؛أي إعلان لحقوق الإنسان فهو يتناقض تماما مع حقوق الشعب، وأن حقوق الإنسان هاته التي سجلت في الماضي تقدما حقيقيا لا تخدم حاليا إلا الامبريالية والرجعية من اجل استغلال كل شيء وحرمان الشعوب.
هاته الحقوق هي الحارس الشخصيGarde – fou للنظام الرأسمالي الامبريالي وهدفها الأساسي: الدفاع والحفاظ على النظام القائم.
وأمام هاته الحقوق البرجوازية نقر بأن حقوق الشعب هي الحقوق الوحيدة القادرة في أيامنا على إلغاء الاستغلال والحرمان وإلغاء الملكية الخاصة، والأساسي ضمن هاته الحقوق هو حق الثورة والتي نادى بها الرئيس ماو نفسه حين قال: " من حقنا أن نثور". يتوجب على الشعب أن يكون الضامن الوحيد لحقوقه وحرياته في مسيرته نحو الاشتراكية والشيوعية، ويتوجب عليه بالتالي أن يفرض حقوقه ضدا على النظام القائم والحقوق البرجوازية.
-I
في هذا المسار من اجل إلغاء استغلال الإنسان للإنسان وبشكل خاص القضاء على مسخرة "الحق البرجوازي" الذي لا زال يرواح مكانه حاليا، أكد كل كبار المفكرين الماركسيين وأعادوا التأكيد على التناقض بين الحق البرجوازي وحق الشعب.
فبدأَ بالرواد الأوائل للماركسية حلل ماركس بشكل علمي الجوهر ذاته لهذا الحق البرجوازي، ويظهر موقفه منتظما انطلاقا من نقد الفلسفة الهيغيلية للدولة إلى غاية رأس المال مرورا بالإيديولوجية الألمانية والعائلة المقدسة.
فتحليل ماركس كله كان يستهدف إن إعلان حقوق الإنسان قبل كل شيء هو إثبات "إيديولوجي وسياسي" هو إعلان حقوق البرجوازية الصاعدة التي تحاول بذلك بناء تبريرها الإيديولوجي الخاص وفرض التأكيد السياسي لهيمنتها.
و بالتالي فتأسيس هذا الحق البرجوازي يرتكز أصلا في إعلان يلعب هو نفسه دورا سياسيا، إنه عقد سياسي بما انه يشكل السياسة كسياسة برجوازية والدولة كذلك كدولة سياسية برجوازية مشيدة للحق المقدس الذي اعتمدت عليه إلى غاية ذلك الحين الإقطاعية.
وبشكل أكثر دقة فقد وضح ماركس انه عبر تأسيس هاته الإعلانات يتم التعبير بشكل نهائي على المزدوجة: دولة / مجتمع برجوازي، المجتمع البرجوازي الذي يفرض نفسه ويحقق ذاته من خلال الدولة البرجوازية وأساسا من خلال قوانينها كما أشار إلى ذلك ماركس بشكل واضح في " العائلة المقدسة" حين قال: «حقوق الإنسان لم تخلقها الدولة، فبقدر ما كانت نتاج المجتمع البرجوازي الذي تجاوز في تطوره الخاص العوائق السياسية القديمة، بقدر ما هي بدورها حاليا تعترف بأساسها وأصلها الخاص، معلنة ما يسمى بــ" حقوق الإنسان" هاته».
بل يذهب ماركس إلى حدود تدقيق اللحظة التاريخية الأساسية لممارسة هاته الطموحات (التي لا زالت حينئذ نظرية) للمجتمع البرجوازي، حين أكد: «أنه في سنة 1830 حيث أخيرا ستحقق البرجوازية الليبرالية ما طمحت إليه سنة 1789 [...] بما أنها تحققت من داخل هاته الدولة المعبر الرسمي عن سلطتها التنفيذية والمكرسة لمصالحها الخاصة. ولما انتهت مع تواجد حقوق الإنسان في النظرية فقط بدأت البرجوازية هيمنتها! » ومع الأحداث أصبحت بالتالي حقوق الإنسان هي حقوق البرجوازية كما عبر عن ذلك ماركس حينما قال: « إنه فقط باسم الحقوق العامة للمجتمع، تستطيع طبقة محددة أن تطالب بالسيطرة العامة».
وبشكل سريع ستستعمل البرجوازية المصلحة العامة للأفراد مرسخة لنفسها - في تقسيم العمل الذي يتسع شيئا فشيئا- مصلحتها الخاصة الشاملة، و إلى غاية أن تمكنت من رفعها كأساس للحقوق البرجوازية، سرعان ما أصبحت وهما كليا: إيديولوجية "حقوق الإنسان" المقدمة في شكل الحقوق الشاملة للأفراد تم إنكار شموليتها هاته المرة بشكل صريح من طرف البرجوازية في أوج تطورها /صعودها.
كل هذا التحليل الذي عمقه ماركس مذكرا الانبثاق نفسه للحق البرجوازيين سيقوده إلى المزيد من إماطة اللثام وكشف هاته "الأنسنة البلهاء لحقوق الإنسان معطيا اختبارا مفصلا لكل حق من "الحقوق الأساسية" المملاة من طرف البرجوازية.
سينطلق ماركس بداية وقبل كل شيء من إثبات واضح: وهو التناقض الصارخ في أساس هذا النص نفسه بين حقوق الإنسان من جهة وحقوق المواطن من جهة أخرى.
هذا الفرق يكشف عن تناقض أساسي في المضمون، فحقوق الإنسان تعتمد على حقوق الفرد الأناني، بينما حقوق المواطن فتعبر عن الفرد المنفتح على اهتمامات شاملة.
وبما انه تم تأسيس نظام تسلسلي بين هذين المفهومين، حيث إن حقوق الإنسان المواطن هي مرتبطة كليا بحقوق الإنسان الأناني، كما توضح ذلك بجلاء الوثيقة 2 من إعلان 1789، الذي يؤكد إن: «الهدف الأساسي لأية جمعية سياسية هو الحفاظ على الحقوق الطبيعية والغير قابلة للإلغاء للإنسان»، فواضح هنا أن « المواطن [...] تم إعلانه كخادم للإنسان الأناني ». كما اثبت ذلك ماركس نفسه.
وانطلاقا من ملاحظة هذا التناقض الأول اختبر ماركس القوانين الأربع على التوالي الأساسية للإنسان – حسب المفهوم البرجوازي طبعا- والتي هي: الحرية، الملكية، المساواة، و الأمن. وهذا حسب الإعلان المتضمن في الدستور الأكثر شعبية لسنة 1793. في هذا النص تم تعريف الحرية بـــ: « الحق في فعل أي شيء لا يلغي حق الآخر». يرتكز بالتالي هذا الحق حسب ماركس، على حصر متبادل يحيل «حرية الإنسان إلى غريزة بسيطة معزولة ومنطوية على ذاتها». ونفس الشيء بالنسبة للملكية تم اختزالها في حق التمتع والتصرف في خيراته كما يشاء. المساواة تنحصر في علاقة بسيطة بين الأفراد، وأخيرا الأمن تم تعريفه على انه حماية المجتمع من كل عنصر من عناصرهن وتتم إحالته بالتالي إلى علاقة وحيدة لكل فرد بالمحيط الاجتماعي للأفراد: من اجل ضمان كامل لأنانية كل واحد.
كما كان بديهيا بالنسبة لماركس: «على أن أي من حقوق الإنسان المزعومة لا يتعدى حدود الإنسان الأناني». سياسة حقوق الإنسان تستهدف في الحقيقة شيئا واحدا هو تحرير الدينامية الأنانية للأفراد ومصالحهم الاجتماعية الخاصة. حقوق الإنسان تسمو بإرادة الإنسان إلى منزلة القانون. وأخيرا فإنه في هذا العهد، عهد الحقوق البرجوازية، حقوق الإنسان تحضر فيه بشكل قليل لأنه لم تجسد بشكل حقيقي سيادة الإنسانية، فالسيادة الوحيدة هي سيادة الملكية الخاصة كما أشار إلى ذلك ماركس بقوله: «الإنسان لم يحرر من الملكية، بل حصل فقط على حرية التملك».
هاته الحقوق لا تعرف الإنسان إلا بالعلاقة الوحيدة بين المصلحة الخاصة والضرورة الطبيعية العمياء، فتقدمه كعبد للعمل من اجل الربح، فقط عبدا لحاجته الأنانية الخاصة والحاجة الأنانية للآخر، مبرزة أن هاته الحقوق لا تعدو أن تكون سوى دعاية إيديولوجية للبرجوازية، وتأكيد سياسي للدولة أو للطبقة البرجوازية، وقد عرى ماركس مجمل هاته الإيديولوجية، فانكشفت هاته المرة كأكبر نفاق وضرر موجودين. غير أن ماركس لم ينحصر أبدا في مجرد تحليل بسيط لهاته الحقوق البرجوازية وتعريتها بل اقترح موازاة مع ذلك أطروحة تستهدف التحرير الكامل للبشرية مصاغة على النحو التالي: «إنه فقط عندما يقر الإنسان وينظم قواه الخاصة كقوى اجتماعية، دون أن تنتزع منه القوة الاجتماعية تحت شكل القوة السياسية، آنذاك فقط سوف يكتمل تحرر الإنسان».
ففي هذا المنحى يجب أن تفهم العبارة التالية: « عندما تعلن البروليتاريا تفكيك النظام القائم بالعالم، لن تقوم إلا بإعلان سر وجودها الخاصة، لأنه هو نفسه التدمير الفعلي لهذا النظام القائم بالعالم، وعندما تطالب وعندما ستطالب البروليتاريا بإلغاء الملكية الخاصة ستجعل من مبدأ للمجتمع ما جعله المجتمع مبدأ للبروليتاريا il ne fait qu ériger en principe de la .Société ce que la société a érigé en principe pour lui بالتالي فبدون أن تتدخل فإنها تجسد النتيجة السلبية للمجتمع».
عارض ماركس هاته الحقوق البرجوازية بالشيوعية. و لمواجهة مفهوم حقوق الإنسان الذي ينكر ويلغي حقوق البروليتاريا، استهدف بالأساس تحرر وحرية الشعب.
وكانت نفس إجابة ماركس على الشعار الكبير الذي رفعته الثورة البرجوازية حينئذ هي: إنه فقط التغيير الشيوعي للمجتمع عبر الثورة، هو الذي بإمكانه فعلا تحقيق الحرية والمساواة وامتلاك العالم كتوجهات فعلية "للإنسان الاشتراكي".
فتصبح الحرية إذن هي قوة كل واحد بـواسطة وفي اجتماعه بالكل، هذا الاجتماع الذي يعوض المساواة البرجوازية المحددة كمقارنة مجردة وبسيطة بين أفراد معنيين: الجماعة التي يشترك فيها الكل كليا. فحسب ماركس انه فقط « في الجماعة la communauté الحقيقية، حيث يكتسب الأفراد حريتهم موازاة مع تضامنهم، و بفضل هذا التضامن وبواسطته»، وبالمثل تكف الملكية على أن تكون خاصة، حكرا على أقلية ضئيلة لتصبح الملكية جماعية ومشتركة.
انطلاقا من هذا التحليل الواقعي، وبتعمقه في أسس الحق البرجوازي، توصل ماركس إلى كشف الجوهر البرجوازي والرجعي لــ"حقوق الإنسان" المعتمدة على تصور الإنسان كفرد ينزع إلى الحقوق الطبيعية والفطرية،إنها فقط المصلحة الشخصية التي يتم إذكائها، مادامت مجمل أسس المجتمع البرجوازي تعتمد على حق رئيسي وهو: حق الملكية الخاصة الذي نستقى منه كل الحقوق الأخرى.
لمواجهة هاته الحقوق البرجوازية يجب ان نرفع إجابة وحيدة هي: حقوق البروليتاريا ومنه حقوق الشعب.
عن المشعل الذي أناره ماركس سيحمله انجلز كذلك في نقده لبرنامج الاشتراكية الديمقراطية في سنة 1891 حينما اقترح ان توضع بدلا عن: "من اجل الحق المتساوي للكل" الصيغة التالية: " ما اجل الحقوق المتساوية والواجبات المتتالية للكل" وحسب انجلز فإن الواجبات المتساوية هي مكمل أساسي للحقوق الاشتراكية الديمقراطية المتساوية، وإزالتها يجعل منها حقوقا برجوازية فقط.
وسيكمل لينين هو الآخر هذا الصراع الأمر الذي يظهر أكثر تحديدا عند قراءة "إعلان الشعب الشغيل والمستغَل" لــ17 يناير 1917، حيث ركز هذا الإعلان بالأساس على الشعب باعتباره المالك الوحيد و الفعلي لحقه في ان يشيد الاشتراكية والشيوعية في كل البلدان.
من خلال هذا سيؤكد صحة التحليل الماركسي و في مواجهة الشمولية الضيقة البرجوازية، سيتم التأكيد مرة أخرى على ضرورة الأممية البروليتارية. فلينين سيأتي ليزكي مجمل النظرية الماركسية مبينا من جهة ومرة أخرى ان "حقوق الإنسان" ليست فطرية، بل لها اصل تاريخي كبير كما ادرك ذلك هيغل سابقا، ومن جهة أخرى أكد من جديد على الطابع الخاص للملكية كشيء أساسي في الحق البرجوازي ملبيا نداء ماركس من اجل إلغاءها.
فضمن هذا المنطق تندرج المقولة التالية: «إن إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الانتاج وانتقال سلطة الدولة كليا الى يد البروليتاريا، تلك هي الشروط التي ستضمن إعادة تنظيم جديدة، والتي ستضع حدا لاستغلال الإنسان للإنسان، وستضمن العيش الكريم للجميع، ولكل فرد».
لقد تم التأكيد مرة أخرى على ضرورة وملحاحية حق البروليتاريا، أي حق الشعب.
ستالين بدوره سينخرط في عملية استمرار الصراع الذي بادر به ماركس اولا ثم إنجلز وسيكمله لين

المزيد


حزب الطليعة والانتخابات

أبريل 17th, 2007 كتبها الشبيبة الطليعية نشر في , المكتبة الفكرية للشبيبة الطليعيية

نقاش مفتوح

 على ضوء مشاركة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات

بقلم الرفيق يوسف ابو سهى

مقدمة لابد منها

 لم يكن في نظرنا ضرورة للعودة إلى التجربة اللينينة ، من أجل البحث في ما إذا كان يصح العمل بداخل المؤسسات البرجوازية أم لا. لأن ذلك أصبح غير مطروح للنقاش حتى لدى من يطرح المقاطعة في الظروف الراهنة . لكن عودتنا إليها تفرضها ضرورة البحث في أهم الشروط والمقاييس التي تحدد المشاركة أو عدمها في ظرف معين ، وطبعا قد يخضع الموقف اللنيني للتأويل النظري ، حتى لدى من يطرح المقاطعة مع أن النص واضح . والتأويل قائم في طبيعة الظروف نفسها وهو الذي كان قائما مابين ظروف التجربة السوفياتية والتجارب الأخرى الأوربية ( الالمانية الهولندية الفرنسية) ومع ذلك فقد كان لهذا الاختلاف في طبيعة الظروف القائمة وجهات نظر مختلفة تؤسس المشاركة و المقاطعة بحجج مختلفة . و يبقى في أخر المطاف قياس الحزب السياسي لتلك الظروف هو المحدد لطبيعة الموقف، مرهونا بموقع الحزب في الصراع السياسي ومدى قدرته على تحقيق مكاسب في مستويات مختلفة جماهيرية تنظيمية وسياسية. لا نتعامل مع وجهة نظر لينين بمنطق المرجعية المقدسة ، فهي تصورات أفرزتها شروط تاريخية محددة . ومن أجل الاستئناس نورد بعض الفقرات والتي يتضح فيها أن طبيعة المؤسسات البرجوازية لم تكن يوما، محددا للمشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها. وقد عرفت التجربة البلشفية مشاركة ومقاطعة في إطار مؤسسات طاعنة في الرجعية باعتراف لينين نفسه. وبذلك فمقياس المشاركة يوجد خارج طبيعة المؤسسات، بل يوجد في وضع الصراع الطبقي . يقول لينين في - هل يجب الاشتراك في البرلمانات البرجوازية -"إن هذا القول، حسب كل الدلائل، مفرط في التعميم والمبالغة. لكن الحقيقة الأساسية الواردة هنا لا جدال فيها، واعتراف «اليساريين» بها هو شهادة بينة للغاية على خطئهم. إذ كيف يمكن أن يزعموا أن «البرلمانية قد ولى عهدها سياسياً»، إذا كانت «الملايين» و«الفيالق» من البروليتاريين لا تزال تؤيد البرلمانية بوجه عام، وليس هذا وحسب، بل أنها أيضاً «معادية للثورة» مباشرة!؟" ويضيف قائلا : "وإذا كانت مجرد أقلية لا بأس بتعدادها، ناهيك عن «الملايين» و«الفيالق»، من العمال الصناعيين تسير في أثر القسس الكاثوليك، ومن العمال الزراعيين تتبع الملاكين العقاريين و الكولاك (Grossbauern)، ينجم من هذا دون شك، أن البرلمانية في ألمانيا لم يول عهدها سياسياً، وأن الاشتراك في الانتخابات البرلمانية وفي النضال من على منبر البرلمان أمر لا بد منه لحزب البروليتاريا الثورية وكذلك بالضبط لأغراض تربية الفئات المتأخرة من طبقته هو، وبالضبط لأغراض إيقاظ وتنوير جماهير القرويين المبلدة والمظلومة والجاهلة. وما دمتم عاجزين عن حل البرلمان البرجوازي وسائر أنواع المؤسسات الرجعية، أياً كانت، فلابد لكم أن تعملوا في داخلها، بالضبط لأنه لا يزال هناك عمال ممن خدعهم القسس وتبلدوا في بيئة الأرياف النائية، وإلا فقد تصبحون مجرد مهذارين…" يمكننا أن نستخلص من هذه الفقرات الأفكار التالية: - وضع الوعي السياسي لدى الفئات الحاملة لمشروع التغيير الثوري، مقياسا لاختيار المشاركة أو عدمها في المؤسسات البرجوازية. - حضور الارتباط بالقوى البرجوازية لدى الفئات الحاملة لمشروع التغيير يفرض المشاركة في المؤسسات وذلك بهدف تربية الفئات المتأخرة من الطبقة العاملة أي تعبئتها وتوعيتها بمصالحها وبطبيعة تلك المؤسسات. -العجز عن حل البرلمان البرجوازي وسائر أنواع المؤسسات الرجعية يفرض العمل فيها بسبب وجود فآت منخدعة بشعارات البرجوازية. نوجز هذه الفقرات بالقول أنه عندما ، يكون العمال مرتبطين بالبرلمانية البرجوازية ويثقون بشعاراتها وان القوى الرجعية لها تأثير قوي في الوعي السياسي ، وان ذلك يمنع من ميل ميزان القوى لصالح الحزب الثوري ، وفي العجز عن حل المؤسسات البرجوازية ، فسيصبح من الضروري الاشتراك في البرلمان البرجوازي، وذلك بهدف الكشف عن طبيعتها اللاديمقراطية و تحويل ميزان القوى لصالح الاتجاه الثوري . يستمر لينين في دحض الموقف الخاطئ لليساريين الألمان ، في النظر للمؤسسات البرجوازية ، و يؤكد على أن ما تعيه القوى الثورية ومناضليها ،ليس واقعا موضوعيا و هو وعي متقدم ناتج عن الممارسة السياسية والانخراط في الفعل الثوري لكن ذلك الوعي الذي يسري في دماغ المناضلين ليس هو الذي يوجد لدى الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية ، وبصيغ هذه الفكرة بالقول". وواضح أن «اليساريين» في ألمانيا قد اعتبروا رغبتهم وموقفهم السياسي والفكري واقعاً موضوعيا. وهذه هي أخطر غلطة يرتكبها الثوريون. ويضيف في نفس الفقرة من المرجع أعلاه" إن البرلمانية قد «ولى عهدها سياسياً»، طبعاً، بنظر الشيوعيين في ألمانيا، ولكن، القضية هي بالضبط في أن لا نعتبر ما ولى بالنسبة لنا، قد ولى عهده كذلك بالنسبة للطبقة وبالنسبة للجماهير." إن عرض هذه الفقرة هدفه الإجابة عن سؤال قد يؤرق البعض هو موقف الجماهير إزاء المشاركة في الانتخابات بعد أن عرف الحزب بمقاطعتها ، ويجيب عليه لينين بالقول " عليكم ألاّ تهبطوا إلى مستوى الجماهير، إلى مستوى الفئات المتأخرة من الطبقة. وهذا ما لا جدال فيه. عليكم أن تفضوا إليها بالحقيقة المرة. عليكم أن تسموا أوهامها الديمقراطية البرجوازية والبرلمانية أوهاماً. وعليكم مع ذلك أن تتابعوا على نحو سليم الحالة الحقيقية لوعي واستعداد الطبقة كلها بالذات (لا طليعتها الشيوعية وحسب)، الجماهير الكادحة جميعها بالذات (لا أفرادها المتقدمين وحدهم). " إن القناعات السياسية التي يحملها المناضلين المنخرطين في الفعل السياسي والتنظيمي لا تشكل مقياسا لتحديد طبيعة الوعي السائد لدى الجماهير الشعبية العادية التي تناضل من اجل حقوق مادية محضة محددة في الزمان والمكان . والناتجة في أغلبها على رد فعل عفوي على الحيف الاقتصادي والاجتماعي والتهميش السياسي ،و الحرمان من الحريات وغيرها. إن أوهاما تسري في دماغ المناضلين قد تجعل من تحقيق وعي ذاتي بطبيعة المؤسسات يعتبر كافيا لتحقيق شروط تدميرها، و ذلك يعد من طبيعة اليسار الطفو لي الذي يجعل من الشعارات قوة قادرة على تغيير الواقع. " إن الهولنديين و«اليساريين» عموماً يتناولون هذا الأمر كثوريين عقائديين لم يشاركوا قط في ثورة حقيقية أو لم يتمنعوا في تاريخ الثورات، أو يعتقدون بسذاجة أن «الرفض» الذاتي لمؤسسة رجعية ما يعني تحطيمها فعلاً بتضافر مفاعيل جملة كاملة من العوامل الموضوعية." وفي خلاصة لهذه الفقرات نقول أنه إذا كان ميزان القوى هو المحدد الرئيسي للمشاركة في المؤسسات البرجوازية ، فان تحديدا دقيقا لحركية الصراع الطبقي وطبيعة التناقضات وآفاقها المرحلية والممارسة السياسة للطبقة الحاكمة تعتبر من أهم المحاور التي يجب التدقيق فيها حتى لا يبقى الحديث عن ميزان القوى مبررا للعجز عن خوض المعارك الضرورية المباشرة الأكثر تقدما. فقد اخفت العديد من قوى اليسار رأسها بداخل اختلال ميزان القوى لتبرر عجزها عن المواجهة ، وشكل ذلك تكتيكا يمارس مع المناضلين بهدف تحقيق إستراتيجية مؤسساتية لا غير. وذلك ما عرفه الحزب في بداية الثمانينات والذي كان من الأسباب التي ستجعله يخوض صراعا مريرا ضد التيار الانهزامي داخل الاتحاد. في خلاصة لهذه الفقرات يمكن القول انه لا يمكن تحديد مقياس محدد أبدي للمشاركة أو عدمها فذلك يخضع للتطورات التي قد يحضر فيها شرط للمشاركة في الانتخابات ويغيب شرط آخر ، ويصبح من الصعب تحديد لائحة لمقاييس المشاركة المبدئية، فقد يعيش الحزب وضعا متقدما على المستوى التنظيمي و تسود بداخله الرغبة في خوض معركة مباشرة كالمقاطعة ، لكن الشرط العام الذي تعرفه أوضاع اليسار و أوضاع الوعي الديمقراطي تعرف خللا . فهنا يصعب الحديث على خوض تلك المعارك وقد يكون كذلك العكس فقد تكون ميزان القوى متقدمة إلا أن الحزب يعرف جزرا وظروفا تنظيمية قد لا تسمح بخوض تلك المعارك الجماهيرية . ملاحظات حول الوضع السياسي الراهن تميزت مرحلة التحولات السياسية الدولية التي عرفها العالم خلال عقد الثمانينات والتسعينات بخاصيتين أساسيتين، متناقضتين.الأولى تتمثل في انفراد الولايات المتحدة الأميركية بالهيمنة على العالم وتحكمها وتوجيهها للصراع السياسي والاقتصادي الدولي في إطار شعارات متعددة منها النظام العالمي الجديد والعولمة . ولهذا الشرط انعكاس على مختلف المجتمعات وعلى أوضاعها الاقتصادية والسياسية بحكم علاقات التبعية التي تربط بينهما. لم يكن بإمكان اقتصاد تلك المجتمعات على الصمود في وجه التحولات المذكورة بسبب طبيعته التبعية وبنياته المتهرئة غير المتماسكة والتي لا تعرف منطقا مستقلا في صيرورتها وحركتها. وفي الجانب السياسي استمرت الامبريالية في دعم الطبقات التابعة لها و إملاء قراراتها عليها في مواجهة الأخطار الناتجة عن الاحتجاج الذي فرضته عمليات النهب والاستغلال المستمرة لخيرات الشعوب. في هذا الإطار تأتي الميزة الثانية لتلك المرحلة وهي تطور المطالبة بالديمقراطية ،وذلك بهدف الكشف عن حقيقة شعارات الامبريالية التي طالما تغنت بالديمقراطية .و برزت في الساحة الدولية حركة ديناميكية لحقوق الإنسان تجاوزت الحدود الجغرافية المعهودة من جهة ،ومن جهة ثانية أصبحت تنفذ إلى وعي المواطنين بمختلف مواقعهم الاجتماعية والسياسية. وإذا كان المغرب الخادم الأمين للإمبريالية الأمريكية والموضوع في لائحة اقرب المقربين إليها يحضا برضاها ودعمها من أجل مواجهة الأزمات التي عرفها لمدة طويلة ،فان ذلك لم يفلح في تحقيق الاستقرار السياسي بفضل تطور النضال الديمقراطي الذي عرف مدا سيسمح بتحقيق مكتسبات مهمة في مجال حقوق الإنسان . أمام هذا المد النضالي المتميز بتطور الوعي الديمقراطي وتوسع الحركات الاحتجاجية في مختلف القطاعات الاجتماعية، وعجز الطبقة الحاكمة على إعادة إنتاج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بنفس الاختيارات والأساليب المخزنية المعهودة ، حاولت التأقلم مع المستجدات السياسية الدولية والمحلية ، وقامت بالتنازل عن بعض المكتسبات ، مقدمة ذلك كدليل على الإرادة السياسية في تغيير ممارستها وذلك بهدف إيجاد مبرر للدفع بانخراط القوى المعارضة في اللعبة السياسية قصد احتوائها في ما بعد. اتساع الحركات الاحتجاجية على الصعيد الوطني وكثافة الحملات النضالية من اجل حقوق الإنسان والتي وصلت حدا بعيد في فضح الأوضاع الحقوقية المحلية على الصعيد الدولي ، واتجاه الأوضاع الاجتماعية نحو الانفجار الخطير أدى بالطبقة الحاكمة على حمل التيارات المرتبطة بمشروعها السياسي إلى التحرك من اجل المساهمة من موقعها في ضمان الاستقرار السياسي . أول خطوة في هذا الاتجاه تأتي من داخل البرلمان الذي أصبح غير معنى منذ مدة طويلة بما يجري على المستوى الاجتماعي اللهم في إصدار قرارات التضييق على الظروف المعيشية للمواطنين والمزيد من فتح فرص النهب للطبقة الحاكمة و تزيين الواجهة. و لأن تلك القوى انكمشت حركتها منذ الانتخابات التشريعية سنة 1984 وفقدت مصداقيتها، حاولت استعادة الثقة أولا من خلال طرح ملتمس الرقابة في البرلمان وثانيا في انخراطها في الحركة الاحتجاجية التي عمت البلاد في بداية التسعينات. و سيكون ملتمس الرقابة ذو هدفين الأول من أجل استعادة الثقة في مؤسسة البرلمان و بالتالي في الممارسة السياسية للحكم والثانية استعادة الثقة في قوى المعارضة الانتخابية التي فقدتها من جراء نتائج انخراطها اللا مشروط في اللعبة الانتخابية، وطبيعة أداءها في تلك الانتخابات المتميز بنفس الأساليب المخزنية في الممارسة الانتخابية. كان ملتمس الرقابة محاولة لامتصاص غضب الشارع و استعادة المبادرة من قبل تلك القوى في مواجهة تيار الرفض العارم الذي ساد في وعي الجماهير الشعبية وقواها الديمقراطية الحقيقة والذي سينتهي في إضراب 14 ديسمبر والاستفتاء حول دستور 92 والمقاطعة للانتخابات. و رغم أن الطبقة الحاكمة قامت بالتنازل عن بعض المكتسبات إلا أنها لم تفلح في ضبط الحقل السياسي و تجاوز أزمة الاحتجاج العارمة على الصعيد النقابي والسياسي والجماهيري. فقد اضطرت في ما بعد إلى الاستنجاد بقوى المعارضة البرلمانية القابلة للاحتواء والتي احتلت موقعا في الساحة السياسية من خلال استغلال النضالات الجماهيرية وهيمنتها البيروقراطية على بعض المنظمات النقابية الوازنة. اضطرت إلى الاستنجاد بها من أجل حل الأزمة التي نتجت عن الاختيارات اللاشعبية و اللاديمقراطية .وهكذا فقد تم جر تلك القوى إلى التوقيع على ما يسمى بالتصريح المشترك في سنة 1996 والقاضي بتحقيق توافق بين الباطرونا والدولة وجزء من المنضمات النقابية الخاضعة لهيمنة القوى الرجعية وقوى المعارضة البرلمانية.مقابل بعض الوعود التي لا ترقى إلى مستوى وضع النضال الديمقراطي. كان لهذا التصريح المشترك أن يكون مقدمة لتوافق سياسي يعبر عن اندماج كلي للقوى البرلمانية في النظام المخزني ، والطلاق مع شعارات الارتباط بالجماهير الشعبية . وقد انتهى ذلك التوافق في التوقيع على ميثاق الشرف الذي يفسر مسؤولية كل الأطراف الموقعة عليه في الأزمة ، إلى تنصيب حكومة اليوسفي سنة 98 . اتضح من خلال تجربة التناوب التوافقي أن الطبقة الحاكمة ،حققت ما عجزت عن تحقيقه في ظروف سابقة كانت اشد قوة ، حيث تم تمرير عدد من المشاريع الاقتصادية والسياسية والقانونية في ضل ذلك التناوب. وقامت عمليا بتعسير عمل اليسار النضالي . ستعمل حكومة التناوب على جر ما تبقى من قوى المعارضة البرلمانية وثلة من المثقفين المرتبطين بها ،إلى القيام بما عجز المخزن عن تحقيقه في المجال الاجتماعي والسياسي ، وتميزت تلك الفترة بحملات من قمع الحريات العامة و انهيار في وضع حقوق الإنسان رغم شعارات متناقضة كليا مع الممارسة اليومية. وهكذا فقد تم فرض قيود جديدة على الإعلام و تعرضت عدد من الصحف إلى محاكمات صورية ، وشملت عمليات القمع مختلف النضالات الجماهيرية. لم تكن لهذه الحكومة نتائج تمكنها من الاستمرار في نفس الشعارات نظرا لما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، بل ان تلك القوى التي انخرطت فيها لم تنل سوى السخط العام للجماهير الشعبية وبذلك وقعت في فخ الطبقة الحاكمة التي كان من ضمن أهدافها أن تتقاسم مسؤولية الأزمة مع أطراف طالما حملت شعارات يسارية . في إطار إفلاس شعارات التناوب التوافقي وتجربتها، سيتم انتقال السلطة إلى ولي العهد الذي سيجدد العهد على الاستمرار في نفس الاختيارات السابقة ، متمسكا بحكومة التناوب، التي قبلت بالعمل على لعب دورها في عملية انتقال السلطة إلى ولي العهد وتحصينها و إعادة تجديد شرعية النظام المخزني بدون مقابل يسمح بتحقيق مطالبها في الانتقال الديمقراطي. تمت عملية انتقال السلطة إلى رئيس الدولة الحالي في أجواء من الهدوء تميزت بالتشبث بشرعية النظام الحاكم ، و سيتم ذلك من خلال طورين الأول هو تجديد الشرعية المخزنية والثانية من خلال إعادة هيكلة النظام المخزني على أسس تسمح بتطوره وضمان سيادته.و إذا كان الطور الأول تم بدون آثار تذكر حيث حضرت مسبقا الشروط الدستورية والقانونية والسياسية لذلك من جهة، ثم حصول الوهم بإمكانية تحقيق مطالب المعارضة البرلمانية في العهد الجديد من جهة ثانية. فان الطور الثاني والقاضي بإعادة الهيكلة للدولة المخزنية سيحقق بعض من مطالب المعارضة البرلمانية والمتمثلة في بعض الإجراءات التي كانت تعتبر في زمن سابق شرطا لانخراطها في المشروع السياسي للطبقة الحاكمة وتتمثل تلك الإجراءات في تنحية وزير الداخلية وتصفية بعض الملفات العالقة . إعادة ترتيب البيت الداخلي تمت في ظروف جعلت وهما يسود الوعي الجماهيري يقر بإمكانية تحول في الممارسة السياسية للعهد الجديد،خاصة بعد إطلاق مبادرات متعددة في المجال الاجتماعي تحت إشراف المؤسسة الملكية ، والتعبير عن الرغبة في بناء مغرب جديد وتحقيق انتقال ديمقراطي ومصالحة مع الذات و ما يسمى بالتجديد في ضل الاستمرارية ، واستطاع الحكم من خلال تلك الروتوشات والشعارات المرافقة لها أن يتمكن من التأثير في الرأي العام الذي أصبح نسبيا يثق في إمكانية حدوث تحولات اجتماعية وسياسية، وجاء ذلك في ظروف صعبة يعيشها اليسار. لم يدم عمر تلك الأوهام طويلا حيث بدأ يتضح أنها مجرد ذر الرماد على العيون. فلا شيء تحقق في الواقع ، بخلاف بعض الفتاة الذي استفادت منه بعض الفئات الاجتماعية المرتبطة بجهاز الدولة المخزني و أخرى مرتبطة بقوى التناوب التوافقي. استغلت بعض القوى الظلامية تلك الظروف لتمارس بشكل سيسمح بتطورها وتطور بنياتها التنظيمية بعضها من خلال الطاعة المطلقة للمخزن والاندماج في اللعبة السياسية والبعض الآخر من خارج اللعبة ،وقد استطاعت أن تتوسع قاعديا خاصة مع تناسب شعاراتها مع مختلف الظروف المحلية والدولية . كان لتطورها أن ينتج العملية الإرهابية 16ماي ، ويتخذها الحكم كذريعة لإصدار قانون مكافحة الإرهاب الذي سيتم من خلاله المزيد من التضييق على الحريات العامة والذي لم يتم تمريره بسهولة في الظروف السابقة عن العملية الإرهابية، واتضحت إمكانية عودة زمن الرصاص من خلال عمليات التعذيب الذي تعرض لها المعتقلون بسبب تلك الأحداث وذلك في مرحلة إعداد هيئة الإنصاف و المصالحة لمشروع المصالحة . بعض الخلاصات حول الوضع الراهن الجديد في ما يسمى بالعهد الجديد يتمثل في تضخيم الشعارات ذات الطابع الحقوقي والديمقراطي، يعتمد في تنفيذها على جزء هام من الأطر التي تربت في إطار حركة اليسار. في نفس الوقت يتم التراجع عن العديد من المكتسبات التي تحققت بفضل النضال المرير لحركة النضال الديمقراطي، وعملية التراجع هذه تتم من خلال استعمال نخبة سياسية تبرر الممارسة السياسية للمخزن تحت شعار الانتقال الديمقراطي. لم يعد النظام يعتمد الأساليب العتيقة في المواجهة السياسية على الأقل على المستوى الشكلي ، فأكيد أنه يحتفظ بجوهر ممارسته السياسية ، غير أنه متأكد أن إستراتيجيته القديمة تتحقق بأساليب جديدة من خلال فسح هامش من الحريات لا يرقى إلى مستوى المس بجوهر شرعيته وسيادته. إنه الأسلوب العصري ، الذي لا يتطلب المواجهة الشرسة للمعارضة قصد إسكاتها ، فقد تكون أشكالا أخرى مستوحاة من التراث المخزني في العلاقة مع النخبة السياسية أكثر جدوى في استمالة النخبة وربطها بالمشروع السياسي المخزني ، وهي ما يعرف بالهدايا والمنح ، وبلغة سياسية بالمصالح السياسية والشخصية .وإن لم تفلح تلك الأساليب فهناك سيخرج المخزن من تراثه أدوات القمع الطبيعية في سلوكه السياسي. وإذا كان هذا الأسلوب ، استطاع أن يوفر حاشية صلبة تقوم بدورها في تدجين الوضع السياسي ، و تحصين الشرعية المخزنية ، وجعل سيادتها غير مطروحة للنقاش، فقد استطاع النظام المخزني كذلك أن يتفوق على المستوى الإيديولوجي وذلك عن طريق القيام ببعض المشاريع القانونية والاجتماعية والسياسية من قبيل مدونة الأسرة الأمازيغية تقرير التنمية البشرية وهيئة الإنصاف والمصالحة و خلق منظمات تعمل في الأسود تقوم على المساعدة والتضامن الاجتماعي و أساليب أخرى أظهرت المخزن بمظهر يتماشى مع العصر على المستوى الشكلي . وجدت تلك الصيغ قدرتها على الـتأثير في الوعي السياسي للجماهير الشعبية لأسباب متعددة منها الظروف المعيشية للجماهير الشعبية وعجز اليسار على المواجهة سياسيا وإيديولوجيا. وفي هذا الإطار أصبحت تلك الأشكال من الممارسة السياسية تمس جوهر الوعي السياسي ومن شانها أن تفرز وعيا يستنتج أن تلك الإجراءات والروتوشات تجسد الإرادة السياسية في التغيير الاقتصادي الاجتماعي والسياسي . إن إستراتيجية النظام المخزني وكما سبق الذكر لم تتغير فقد كانت ولازالت تتمثل في التحكم المطلق في السلطة السياسية وحماية مصالح الطبقة الحاكمة وحلفائها وتأمين شرط التبعية الاقتصادية والسياسية للمتروبول الامبريالي وتوسيع مصالحه الاقتصادية. فما يمكن ملاحظته حول تلك الإستراتيجية فيتعلق بتعاطي الحكم مع بعض الفئات الاجتماعية التي أصبحت توضع موضع الثقة بالنسبة للطبقة الحاكمة وبالتالي فقد منحها موقعا في المؤسسات السياسية بحكم ثقته في قدرتها على تحقيق إستراتيجيته السالفة الذكر ، والملاحظة الثانية هي أن القمع المباشر الذي كان يشكل الأسلوب الوحيد لتحقيق تلك الإستراتيجية في العهد المسمى بزمن الرصاص ، حصل فيه نوع من التعديل يعتبر الممارسة الإيديولوجية من شانها أن تلعب دورا يحقق إستراتيجية القمع السياسي المباشر ويحد من الاحتجاج الجماهيري. و أن القمع السياسي المباشر الذي عرفته البلاد في ما يعرف بزمن الرصاص لم يكن يكلف النظام آنذاك تأطيره إيديولوجيا ،بالطريقة التي يمارس بها الآن،وذلك من أجل إخفاء طابعه السياسي المعادي للتحرر والديمقراطية ،واعتباره يأتي في إطار عملية خدمة مصالح الشعب في الأمن والاستقرار. معنى ذلك أن الممارسة الأيديولوجية تساهم بشكل قوى في تحقيق إستراتيجية التحكم في السلطة السياسية وتامين المصالح الطبقية للتحالف الطبقي الحاكم. ( ونموذج على ذلك ،عمد النظام على التوجيه بعض عائلات ضحايا 16 ماي على الاحتجاج على تنديد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون في إطار هذه الأحداث وكان الهدف من ذلك التشكيك في مصداقية الجمعية وعبرها اليسار برمته) وضع اليسار في ما يسمى بالعهد الجديد في ظروف سابقة عن التحولات العالمية وحتى بعدها بقليل، كان خطاب اليسار مقبولا إلى حد ما ، من كونه بديلا تحرريا وديمقراطيا من موقع نقيض للتحالف الطبقي الحاكم ،رغم ما تعرض له من احتواء وتوجيه من قبل بعض القوى الانتخابية، وكانت عملية التأثير في الوعي السياسي ممكنة وهي مرهونة بفعله التنظيمي والسياسي والجماهيري ، الذي يسهل عملية اختراق الوعي الديمقراطي وإشاعته على المستوى الجماهيري .إلا أن الظروف الحالية وطبيعة الممارسة السياسية الجديدة للحكم وتطور المد الظلامي الذي مس مختلف الفئات الاجتماعية و القطاعات الحيوية والذي يقوم بتامين عملية اختراق الحركة العمالية ،كل ذلك جعل من خطاب اليسار يتعثر في اختراق الوعي السياسي لتحويله إلى وعي ديمقراطي وتحقيق ميزان قوى لصالح بناء ديمقراطي حقيقي. بمعنى أن خطاب اليسار أصبح يجد صعوبة في إقناع الجماهير الشعبية بمشاريعه السياسية الديمقراطية ، وذلك يمكن إرجائه إلى أسباب عدة نذكر منها. - نجاح النظام في تشكيل وتحصين نخبة تشتغل إيديولوجيا وسياسيا من أجل الدفاع عن شرعيته وتبرير ممارساته . - سيادة نخبة من المناضلين والمثقفين من اليسار متأثرة بالتحولات السياسة الدولية والمحلية. بما فيها التأثر بممارسة الحكم الحالية باعتباره ينحى نحو بناء مغرب ديمقراطي . - عجز اليسار عن المجابهة في الواجهات السياسية والإيديولوجية والاجتماعية، وفقدان التأثير في الوضع السياسي والنقابي .بل العجز عن الحفاظ على الوحدة النقابية - خطاب اليسار لم يعرف تطورا يجيب على مختلف المستجدات التي عرفتها الساحة السياسية والدولية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، مما جعله مسجونا في أساليب عتيقة في الخطاب والممارسة. - استمرار ظاهرة التشتت في حركة اليسار رغم ظهور بعض البوادر التي تحفز على إنجاز تجربة العمل النضالي المشترك ، والتي مازالت في مهدها ولم ترقى بعد إلى قوة قادرة على المواجهة في الساحة السياسية، سواء تجربة تجمع اليسار الديمقراطي أو تجربة التنسيق بين الطليعة والنهج الديمقراطي. - توسع المد الظلامي الذي أصبح يستفيد منه النظام، بعد أن احتل عنفا مواقع اليسار، وأصبح يشكل قوة سياسية مؤثرة في مواجهة المشروع الديمقراطي. واستطاعت تلك القوى إلى حد بعيد كسب قاعدة مؤطرة تحت وعي يجعل اليسار موضع المواجهة و كأنه منتج للازمة التي يعرفها المجتمع. وهي تختار الفئات الاجتماعية المؤثرة في العملية السياسية منها الانتخابية بالخصوص. إن نتائج هذا الوضع ،وبفعل تحركات واسعة للحكم في إطار ما يسمى بمواجهة الإرهاب على المستوى الدولي والمحلي جعلت الرأي العام الدولي ،يرى في التجربة المغربية تجربة فريدة تخطوا خطوات نحو البناء الديمقراطي ،وخاصة بعد أحداث 16ماي الإرهابية التي ستسمح للحكم بتمرير مشروع قانونه لمكافحة الإرهاب والذي يتم في إطاره التخلي عن العديد من المكتسبات التي تحققت في ضل المد الحقوقي الذي عرفته بداية التسعينات،وتمكن النظام المخزني في فترة إعادة هيكلة ذاته من سن قوانين تجعله يتحكم أكثر في اللعبة السياسية، وفي توجيه الحقل السياسي بما يخدم إستراتيجيته ومنها قانون الأحزاب وغيرها . يجري كل هذا في ضل شعار الانتقال الديمقراطي ،الذي مضت على انطلاقه مدة تكفي لإحداث تغييرات بنيوية اقتصادية وسياسية واجتماعية ، بل يمكن القول أن المدة التي تفصلنا عن الإعلان عنها كان من شانها أن تحدث تطورات تنقل المغرب إلى مرتبة عليا في الممارسة الديمقراطية. إلا أن الذي حصل سيجعل من مختلف الإجراءات و الروتوشات المحدثة لغرض الانتقال الديمقراطي تتآكل يوما بعد يوما وبدأ يتضح أن المغرب سيعيش زمنا طويلا مسيجا في شعار الانتقال الديمقراطي بدل الخوض في الممارسة الديمقراطية ،وأنه سيكون من الصعب تصور أفق لهده الممارسة خاصة وأن الأحداث التي تلت رحيل الملك السابق وتولي العرش من قبل الملك الحالي تميزت بتناقضات عديدة تجعل الأمل في تحقيق انتقال ديمقراطي في ظل سيادة النظام القائم يزول شيئا فشيئا ، فبالإضافة إلى الأحداث الاجتماعية المعبرة عن رفض الجماهير الشعبية للاختيارات الاقتصادية والاجتماعية ثم المواجهة القمعية التي وجهت بها تلك الأحداث والانتهاكات التي رافقتها في الجانب الحقوقي .فإن الحكم يدخل في صراع مباشر مع القوى الديمقراطية من خلال تطوير ترسانته القانونية القمعية ، من أجل المزيد من ضبط الحقل السياسي ويتجلى ذلك في القوانين الانتخابية وقانون الأحزاب وقانون مكافحة الإرهاب…وإصراره على الاستمرار في نهج اختيارات لا شعبية ولا وطنية تزيد من تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقابل هذه التطورات ،عرفت الساحة الجماهيرية نضالات واسعة في مختلف القطاعات الجماهيرية ، مست مختلف الفئات الاجتماعية ، و إذا كانت تلك النضالات توحي ببروز وعي متقدم يناقض الوعي السائد فأن الاتجاه العام للأوضاع الاجتماعية ينذر بإمكانية انفجار حقيقي خاصة بعد حملة الزيادة الأخيرة في أسعار المواد الاستهلاكية والتي تشكل وجها من أوجه بداية تطور مد نضالي مقبل . و إذا كانت تلك النضالات عفوية وغير مؤطرة ومحكمة من قبل القوى الديمقراطية وتعكس إفلاس ما يسمى بالانتقال الديمقراطي، فان الوضع يتطلب من اليسار ومناضليه أن يصحوا من الغفلة التي سيكون بدونها مآل غير محمود.ولن تكون هذه الصحوة غير الانخراط الفعلي في الحركة النضالية التي بدأت بوادرها تظهر في مختلف المواقع والقطاعات الاجتماعية و بتصورات جديدة تفوق وتتجاوز المنطق الانتخابي والحسابات الحزبية الضيقة، وتنفض الغبار على تأثير المرحلة السابقة . في مرحلة الانتقال الديمقراطي ، باعتباره مرحلة الانتقال من وضع لا ديمقراطي إلى وضع ديمقراطي ،يتم فيه إعادة إنتاج السلوك المخزني، و عصرنته للتلاؤم مع ما يقتضيه تطور الاستبداد المطلق والتحكم في السلطة السياسية في مختلف مجالات ممارستها . يعتمد فيها على أطر تم تكوينها في إطار حركة اليسار وتمكينها من إعادة إنتاج المخزن على صعد مختلفة وجعلها تبرر شرعية الحكم و هيمنته . في هذا الإطار أصبح الحكم يتحرك مطمئنا في ممارسته السياسية الاقتصادية والاجتماعية ، معتبرا ممارسة اليسار النضالية لا تحمل في ذاتها عنصر يحتم عليه إعادة النظر في ممارسته ، متسلطا لا يقبل التنازل عن ابسط المطالب معتمدا في ذلك على انهيار الطموح في ممثلي الحركات ذات الطابع الاحتجاجي وبالأخص الحركة العمالية والتي وجد فيها إمكانية إعادة إنتاج قوته وإنتاج شروط هيمنته السياسية والاقتصادية ، برزت في التواطؤ المكشوف لعدد من تلك الحركات مع الحكم في مجموعة من المحطات التاريخية . أصبح بعض من قواعد اليسار وربما قيادات تجد في ممارسة القوى الظلامية أسلوبا ناجعا في المقاومة ،وذلك بطرق علنية وأخرى خفية وأن ظروف المرحلة تقتضي الاقتراب منها والحوار معها في أفق بناء تحالف معها يمكن اليسار من استعادة قوته، مبررا ذلك في نجاح الحركة الظلامية في تسديد ضربات موجعة للامبريالية وقدرتها على التوسع الجماهيري والتـأثير في الساحة السياسية . ويمكن القول أن ذلك التبرير بدأ ت تغيب حججه بسب تطور نسبي في وعي الجماهير والتي نتجت من جهة عن أثار 16 ماي ومن جهة بما خلفته من ضحايا أبرياء ومن جهة ثانية بسبب انسحاب نسبي لقوى الظلام من الساحة السياسية وانطلاق حركة نضالية جماهيرية بدأت تفقد الثقة في ممارسة النظام السياسي وأذنابه. بعد أن تأكد الحكم من ضعف اليسار وعجزه على مقاومة التيارات الماضوية ، منحها موقعا سياسيا لم تكن تحلم به لولا انهزام اليسار وتراجعه، وذلك تحت مبرر تدجينها و دمجها في اللعبة السياسية للتمكن من احتوائها ونزع الطابع الإرهابي عنها لتساهم في إعطاء الشرعية للتسلط المخزني و تشيعه في أوساط قواعدها وقواعد التيارات ذات المرجعية المشتركة. في إطارا لانتقال الديمقراطي يتم تضييق الخناق على قوى التغيير عبر خنق الحريات وقمع الحركات الاحتجاجية وعدم تلبية مطالبها ووضع اليسار على هامش الصراع السياسي ، وتطويق ممارساته وأنشطته ووضعه في شروط ذاتية تساهم في تعميق التناقضات بداخله ، ليتمكن المخزن من اقتناص ما يمكن من أطره لتوظيفها في صراعه ضد اليسار ، ولتقوم بمهمة طالما عجز المخزن تحقيقها تتمثل في التشكيك في هوية اليسار الديمقراطية و تسييد فكرة إفلاسه في الوعي الجماهيري . - في امتداد ممارسة الحكم لمختلف المستويات ، بل ونالت من قطاعات واسعة كانت ذات بعد أساسي في ممارسة اليسار. و احتواء مختلف القطاعات ذات الطابع الإيديولوجي و بالأخص الإعلام ، الذي أصبح اليسار اليوم غير قاد على النضال في جبهته بحكم الشروط القاسية التي تفرضها الطبقة الحاكمة في هذا المجال ، مؤسسة لإعلام على مقاسها يدعي الاستقلالية ، في وقت يكون منحازا انحيازا مطلقا للظلامية والطبقة الحاكمة أو على الأقل تنصيب نفسه كقوة جريئة في من أجل الحريات الديمقراطية ،وذلك بأساليب ملتوية ، وبذلك ينافس قوى اليسار ويسرق شعاراتها . - في ضل عجز مطلق لليسار لقيادة معارك جماهيرية في شقها الاجتماعي والديمقراطي ،وعجز أطره على الإجابة على أسئلة الحاضر التي تلت انهيار المعسكر الشرقي و غياب القدرة على الاستقطاب والتواصل مع الجماهير في افق تأطيرها . - في ضل وجود بنياات تنظيمية حزبية عاجزة عن الحركة بالإيقاع المفروض والذي عرفه تاريخه الذهبي على انهيار المعسكر الاشتراكي ،واستمرار الأساليب المرضية التي نخرت وتنخر قوى اليسار من اعتماد عقليات لا ديمقراطية داخلية، وعقليات مناهضة لها حلقية تصوب السهم للشخص في البنية التنظيمية بدل التنظيم وتصوره ، و اتكالية تنتظر إشارة القيادة الحزبية لتململ أطرافها ، ونزعات تائهة في التبرير للعجز تؤدي إلى المزيد من التيئيس واختيار التحرك خارج البنيات التنظيمية لتحقيق وهم الحرية في التفكير والممارسة ، بينما تتآلف قوى الرجعية و الظلامية وفي ضل هذه الشروط ما ذا بقي للجملة الثورية ، المكدسة في الكتابات والخطب الرنانة ، البعيدة عن ما يجري في الواقع من احتواء قوى اليسار والهيمنة على الوعي الديمقراطي وتوجيهه لاستعادة الثقة في البنيات المخزنبة ، والمراهنة على قدرة المؤسسات على تحقيق الديمقراطية الفعلية. إن الاستنتاج الوحيد من ما أوردناه سابقا ان الظروف التي عرفتها بداية التسعينات ليست هي الظروف الحالية ، و أن كل ما كان في صالح اليسار أصبح الآن في قبضة النظام المخزني ،فقد كان النظام يبحث عن منفذ لإيجاد جسور بينه وبين اليسار الذي كانت مواقفه الديمقراطية وحركيته وسط الجماهير متميزة من تنظيم وتعبئة وفضح لممارسة الحكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. و شكل موقف المثقفين الديمقراطي دعما أساسيا ، يشعونه عبر مختلف وسائل الإعلام ، بينما الآن يتبوأ المثقف موقعا إما معاديا لحركة اليسار والاشتراكية و إما مناديا لاندماجها في المشروع السياسي للطبقة الحاكمة المتمثل في ما يسمى بالانتقال الديمقراطي. ولم تعد الثقافة تلعب دور التكوين والصراع الإيديولوجي الذي عرفته بداية الثمانينات والتسعينات، خاصة وأن العمل الجمعوي الذي شكل مجالا للصراع الإيديولوجي أصبح كميا ونوعيا في خدمة ما يسمى بالعهد الجديد. وشكل الإعلام في تلك الفترة ، مجالا متميزا للمجابهة بفضل نوعيته في تناول مشاكل المواطنين وفصح أوضاع حقوق الإنسان و موقف إيديولوجي نتج عنه إغلاق لعدد من الصحف التي لا تأتمر بأمر مهندسي الرقابة، كل ذلك أصبح غائبا فالحديث عن الاشتراكية يتم بأفواه تصدر للحفاظ على ماء الوجه وأصبحت بعض المقدسات قابلة للتناول بتصور ليبرالي تدعم المخزن أكثر مما تواجهه ،ثم سيادة صحف الجرائم وما يشابهها من صحف ليبرالية. وضع مثل الذي ذكرناه ، يثير مسألتين الأولى تؤكد ميل ميزان القوى لصالح النظام وحلفائه الرئيسيين والثانويين،والثانية تثير التطورات التي تعرفها الساحة السياسية والجماهيرية إمكانية تطور المد النضالي في اتجاه تغيير ميزان القوى، و يتجلى ذلك في بداية تطور نوعي في الوعي الديمقراطي بعد فشل ممارسة الحكم في تحقيق حلم الانتقال الديمقراطي و اتضح فشل كل إجراءاته السياسية ، ثم بداية انهيار البنيات السياسية والتنظيمية لقوى الظلام التي اتلت مواقع اليسار لمدة طويلة ، رغم محاولتها اختراق بعض المجالات التي تتناقض طبيعيا مع تصورها الإيديولوجي والسياسي ،ونقصد الطبقة العاملة. إنه الأمل الذي يمكنه وحده ، الدفع بانطلاقة جديدة لليسار ، تتأسس على نقض الأخطاء التي ارتكبت في الماضي وتصور سياسي في مستوى المرحلة ، يتميز بجرأة في طرح مختلف إشكاليات النضال الديمقراطي في البلاد بعيدا عن الكواليس و الحسابات الضيقة تصبح فيها مصلحة الشعب فوق أي اعتبار. في إطار هذه الأوضاع ، يحتل حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي موقعا أساسيا في ساحة النضال الديمقراطي ، يمكنه من لعب دور الدفع بميزان القوى لصالح اليسار، من جانب سمعته الجماهيرية الناتجة عن فعله التاريخي وموقفه السياسي ، ومن جهة ثانية تطور العلاقات مع مكونات اليسار التي تتجه في اتجاه بناء قطب يساري ، تشكل الممارسة السياسية المعتمد على الجماهير قاعدته الرئيسة. تأثير المعارك الثورية في وعي الشعب والمناضلين اعتبرنا في خاتمة الحلقة الأولى أن صعوبة التعاطي مع موضوع الانتخابات ناتج عن ثقل التراث التاريخي للحزب، ونقصد بذلك حضور المعارك المتميزة التي خاضها الحزب في المواجهة على المستوى الديمقراطي في وعي المناضلين .و إذا كان موضوعنا اليوم هو مقاطعة بداية التسعينات ، فلربما قبل ذلك شكلت تجارب الستينات وبالأخص تلك اللحظات التي انتصر فيها الاتحاد سواء من خلال مقاطعة الدستور والانتخابات أو نجاحه في تحقيق موقع متميز في معركة انتخابات 63 ، أو تلك الانتفاضات التي جرت في حضور وعي ديمقراطي ومد ثوري ، فقد بقيت عالقة في الذهنية الحزبية والجماهيرية إلى حدود أصبح من الصعب القبول بأدناها، وذلك طبيعي إذا نظرنا لمستوى التأثير الذي تمارسه الأحداث السياسية المتميزة في وعي المناضلين والجماهير الشعبية بشكل عام. إن تمجيد المراحل التاريخية الذهبية، ليس ناتج فقط عن العجز على إنتاج معارك في حجمها ومستواها أو تفوقها،باعتبارها مراحل منيرة في التاريخ ونموذجا تستدعي التدقيق في شروطها والاستفادة منها.بل ناتج كذلك لكون الظروف الراهنة بعيدة عن أن تكون مثل تلك التي عرفتها تلك المراحل المتميزة بالمد الثوري. لذلك فسيبقى من الصعب مواجهة الحنين لتلك المراحل، إلا بعد إنجاز معارك راقية تحقق تطورا في ميزان القوى وتربك حسابات الطبقة الحاكمة لترفع من موقع الحزب الجماهيري والسياسي . إلا أن متطلبات المواجهة السياسية، في ارتباطها المعنوي بتلك المراحل ، تفرض ضرورة مواجهة الفكر التقليدي العاطفي الذي يعتبر إعلان و تطبيق شعار مرحلة محددة يمكنه أن ينتج شروطها التاريخية الموضوعية والذاتية. عرف تاريخ التجارب الاشتراكية، لحظات مشابهة تحضر فيها المعركة التاريخية الراقية بقوة في وعي المناضلين بحثا عن إنتاج مثلها، رغم غياب الشروط المادية لذلك. ولنا في التجربة اللينينية الرائدة ما يؤكد لنا ما سبق، لحظات انتصار في معارك المقاطعة ثم أفول شروط المد الثوري الذي تميزت به حقبة المقاطعة ، لتصبح من الذكريات الأكثر تأثيرا في التعاطي مع الانتخابات. وفي مواجهة المطالبين بالمقاطعة الألمان الذين اعتبروا أن عهد الانتخابات قد ولى سياسيا يقول لينين " لكن تمسكنا بالتقاليد الثورية العزيزة علينا هو، بالضبط، ما يلزمنا بالاحتجاج الشديد ضد اعتقاد أن تطبيق شعار حقبة تاريخية معينة يمكنه أن يستثير أهم شروط تلك الحقبة." وقد أورد لينين في نفس المرجع أي ضد المقاطعة في مواجهة الألمان المطالبين بالمقاطعة " لا شك أن التعاطف مع المقاطعة نابع على وجه الدقة، لدى الكثير من الناس، من رغبة محمودة لدى الثوريين في الحفاظ على تقاليد أفضل ماض ثوري وتنشيط مستنقع الرتابة اليومية الكئيب بلهيب نضال شجاع مفتوح وحازم" إن الارتباط بالمقاطعة بالنسبة للحزب لمدة طويلة ، ليس ناتج أوتوماتيكيا عن عقلية جامدة أو عدمية كما يود البعض إثبات ذلك . فقد جاء نتاجا لكونها موقف جريء في مرحلة يمكن اعتبارها متقدمة في ميزان القوى ، وفي الاستجابة الواسعة للجماهير الشعبية معها ، و للتأثير القوي الذي أثارته في الساحة السياسية، سواء بالنسبة للممارسة السياسية للنظام التي أصبحت تعيد حساباتها في النظر إلى الحزب واليسار، أو القوى السياسية التي لم تكن تعير أي اهتمام لقدرة الموقف النضالي الجماهيري على التأثير في الساحة السياسية وقلب ميزان القوى لصالح النضال الديمقراطي. لهذا السبب، يضاف إليه ما عرفته القوى السياسية اليسارية التي انخرطت في اللعبة الانتخابية من تدهور أوضاعها على المستويات الجماهيرية والتنظيمية، ثم التمييع الخطير الذي الحق بالممارسة الانتخابية على مختلف الأصعدة.أصبح من الصعب على المناضلين ان يتصوروا إمكانية تحقيق وضع جماهيري وسياسي وتنظيمي خارج المقاطعة ، ولا يقبلون بأدناها. إن الارتباط بالتقاليد ثورية والمقاطعة واحدة ، باعتبارها نموذجا للفعل السياسي الثوري و منها هو طموح يصبح في بعض الأحيان مؤثرا في التحليل لأي معركة جماهيرية أو سياسية ويتم في إطاره في بعض الحالات إغفال الظروف العامة التي تميز المرحلة ، ويصبح شعار تلك المعارك المحافظة على التقاليد الثورية غريب عن الواقع الذي تطرح فيه ويقول لينين في نفس المرجع السابق" إن الحفاظ على تقاليد الثورة، وإتقان الاستفادة منها لأجل دعوة وتحريض متواصلين ولأجل تمكين الجماهير من معرفة شروط النضال المباشر والهجومي ضد المجتمع القديم، هو أمر يختلف تماما عن ترديد شعار منزوع من الشروط، التي ولدته وضمنت نجاحه، قصد تطبيقه على شروط مغايرة جوهريا." إننا إزاء ظاهرة ، سادت الحركات التحررية والثورية ، حيث يشكل الحنين إلى أوضاع ثورية ، منطلق لتحديد معارك مشابهة في الشكل جوفاء في موضوعها متميزة بتهميش وإغفال للشروط التي تمارس فيها. وطبعا سنعود في ما بعد لتحليل لماذا يستحيل تحقيق معركة المقاطعة التي مورست في بداية التسعينات ، سواء في غياب الشرو

المزيد

التالي



 

  خربشات مُواطن أمي