اي مستقبل لليسار في القرن الواحد والعشرين …
في الأول من آذار/مارس 2005، تم في مدينة مونتيفيديو، عاصمة جمهورية أوروغواي الأميركية الجنوبية، تنصيب تاباري رامون فاسكيس رئيساً للجمهورية، بعد أن انتخب بأغلبية الأصوات منذ الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية متعددة المرشحين التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
أول رئيس يساري لأوروغواي…والـ"توباماروس" في السلطة وبذلك، يكون فاسكيس الرئيس اليساري الأول الذي يصل الى رأس السلطة في هذا البلد، الذي تقاسم الحكم فيه خلال أكثر من قرن ونصف القرن من الزمن حزبان تقليديان (بلانكوس وكولورادوس) اتبعا سياسة محافظة داخلياً وخاضعة للولايات المتحدة خارجياً. وذلك في مرحلة تاريخية ساد فيها "مبدأ مونرو"، المبدأ الذي يحمل اسم أحد الرؤساء الأميركيين في مطلع القرن التاسع عشر، والقاضي باعتبار مجمل القارة، بشمالها ووسطها وجنوبها، منطقة نفوذ للولايات المتحدة. والرئيس الجديد لأوروغواي جاء على خلفية موجة من الإستياء الشعبي العارم بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عصفت بالبلد وبمعظم القارة الجنوبية بين العامين 1999 و2003 بفعل سياسات "الليبرالية الجديدة" والعولمة الرأسمالية التي تتبناها وتنصح بها وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
والى جانب الرئيس الجديد لأوروغواي، نجحت في انتخابات أواخر العام المنصرم أحزاب يسارية، بعضها مارس الكفاح العنيف في الماضي، في السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، من خلال ما سمي بـ"الجبهة العريضة"، التي ضمت الشيوعيين والاشتراكيين وورثة حركة "توباماروس"، التي اشتهرت في ستينات ومطلع سبعينات القرن المنصرم بأعمالها العنيفة في المدن ضد الفاسدين وسلطتهم ولمصلحة الفئات الفقيرة والمستغلة من الشعب، التي كانت توزع عليها الأموال والمواد العينية التي يجري الاستيلاء عليها في عمليات فدائيي هذا التنظيم.
وبهذا الانتصار الانتخابي الواسع لتكتل اليسار، أصبح خوسيه موهيكا، الذي أمضى 15 عاماً في سجون الرجعية والدكتاتورية وقضى قسماً منها في بئر ماء قديم، أصبح رئيساً لمجلس الشيوخ… في حين أصبحت نورا كاسترو، من قيادات حركة التحرر الوطني "توباماروس"، رئيسة لمجلس النواب. والأخيرة، وهي أول إمرأة تحتل هذا الموقع في تاريخ البلد، صرحت لصحيفة "لوموند" الفرنسية في عددها الصادر في 1/3/2005 بأنها لا زالت من "توباماروس"، بالرغم من أن هذا التنظيم غيّر من أساليب عمله وتقدم للانتخابات النيابية تحت اسم آخر هو "حركة المشاركة الشعبية". وقد تمكن من تحقيق أفضل النتائج بين أحزاب "الجبهة العريضة" المؤتلفة حيث حصل وحده على 30% من أصوات الناخبين. هذا، وشارك في الاحتفال بتنصيب الرئيس الجديد لأوروغواي رئيس فنزويلا، أوغو تشافيس، الغني عن التعريف بسبب جرأته وشعبيته الاستثنائية، التي جعلته ينتصر في تسع معارك انتخابية في ظرف سبع سنوات، ودفاعه عن فقراء شعبه ومواجهاته المتكررة والمتصاعدة مع سياسات الولايات المتحدة. كما حضر رئيس البرازيل المجاورة، اليساري والنقابي السابق لويس إنياسيو داسيلفا المشهور بلقب "لولا"، وكذلك رئيس الارجنتين المجاورة اليساري أيضاً، نستور كيرشنير، وغيرهم من الجيل القيادي اليساري الجديد الصاعد في أميركا اللاتينية منذ أواخر القرن المنصرم. أما كوبا، الدولة التي شكلت مصدراً للوحي والمعاضدة لكل حركات اليسار في أميركا اللاتينية خلال العقود الماضية، فقد تمثلت في الاحتقال بوزير خارجيتها، بعد أن اعتذر الرئيس الكوبي فيديل كاسترو عن الحضور بسبب وعكة صحية.
ثلاثة أرباع أميركا الجنوبية في ظل أنظمة يسارية
وهكذا، يصبح ثلاثة أرباع سكان أميركا الجنوبية، وهم زهاء الـ370 مليون نسمة، يعيشون في ظل أنظمة يسارية، كلها جاءت عن طريق الانتخاب الديمقراطي، وبتأييد شعبي واسع، وتحت شعارات مكافحة الفقر ومواجهة سياسات العولمة الرأسمالية و"الليبرالية الجديدة" ووصفات البنك الدولي وصندوق النقد. وحتى تشيلي، التي يحكمها حالياً نظام تقدمي معتدل، من المتوقع أن يفوز اليسار فيها في الانتخابات القادمة، كما في بوليفيا، وحتى المكسيك، ثاني أكبر بلد في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، والجار الجنوبي المباشر للولايات المتحدة.
ولا شك أن بإمكان الطبيب الارجنتيني الذي شارك في قيادة الثورة الكوبية، ارنستو غيفارا المعروف بلقب "تشي"، والذي استشهد في العام 1967على أيدي رجال المخابرات المركزية الأميركية وأعوانهم المحليين وهو يحاول تنظيم صفوف المناضلين ضد البؤس والفقر والاستغلال الخارجي الأميركي الشمالي في بلد أميركي جنوبي فقير، هو بوليفيا، بامكانه أن يستريح في قبره، ويعتبر أن تضحيته الكبرى وتضحيات العديد من الثوار مثله في هذه القارة المنكوبة طوال عقود عديدة بالتدخلات الأميركية الشمالية وبالديكتاتوريات العسكرية الدموية، هذه التضحيات لم تذهب سدى، والرسالة التي أراد إيصالها باستشهاده قد وصلت.
ولا يمكن أن نفصل هذا الانجاز لإرنستو تشي غيفارا ما بعد استشهاده عن الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه في إبقاء جذوة اليسار وتطلعاته التحررية حية في هذه المنطقة رفيق سلاحه وقائد ثورة كوبا الأول، فيديل كاسترو، الذي استوعب متطلبات وشروط نجاح قوى اليسار والتقدم في عصر العولمة الرأسمالية، ولم يسع الى إعادة انتاج النموذج الكوبي الخاص، غير القابل للتكرار، والذي يكفيه فخراً هذا الدور التاريخي الذي لعبه باحتضان ودعم كل مدارس اليسار وحركاته المتجددة والجديدة وتشجيعها على ابتداع الأشكال المناسبة من النضال والتنظيم التي تتلاءم مع تطورات الأوضاع في القارة والعالم.
فقد أثبت كاسترو، رغم الانهيارات التي وقعت في الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية والتي كلّفت كوبا الكثير من المصاعب الاقتصادية والمعيشية بعد أن اعتمدت طويلاً على التبادل والتكامل الاقتصادي مع هذه الدول في المنظومة التي عرفت باسم "كوميكون"، أن التاريخ لم ينته في أميركا اللاتينية بانتصار الولايات المتحدة في "الحرب الباردة"، وأن شعوب القارة الفقيرة والمستغلة من جارها الشمالي المتجبّر قادرة على التأقلم مع الظروف الدولية الجديدة، ليس بمعنى الرضوخ والتسليم بواقع جديد، مؤقت حتماً، هو واقع التفرد الامبراطوري الأميركي بالنفوذ الكوني، وانما بمعنى ابتداع أشكال جديدة من التنظيم والعمل النضالي لمواصلة مهمات التحرر والتطور وانتصار الانسان في المعركة ضد الظلم والاستغلال والجشع حتى تتحقق أهداف شعوب القارة بالحرية الحقيقية وديمقراطية الغالبية الساحقة من الشعب وليس القلة الثرية المتنفذة.
فهل تشهد مناطق أخرى من العالم تحولات شبيهة بتلك التي حصلت في السنوات الأخيرة في أميركا اللاتينية؟
إذن، "نهاية التاريخ" لم تقع!
وهكذا يتبين أن الواقع، كما نراه اليوم في هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مختلف تماماً عما استخلصه بعض منظّري اليمين الأمير
المزيد