كيف كان الحسن الثاني يقمع المغاربة …
بقلم ادريس ولد القابلة من جريدة المشعل
على سبيل البدء :
كثيرون هم المغاربة الذين ظلموا وانتهكت حرماتهم وسلبت حرياتهم وأهدرت حقوقهم واغتيلت أحلامهم، وسيقوا إلى مخافر الشرطة أو الدرك ومراكز التعذيب والاستنطاق، العلنية منها والسرية، وفُرض عليهم بقوة التهديد والتنكيل، التوقيع على محاضر لفقت لهم التهم، وزج بهم في السجون العلنية والمعتقلات السرية، ومنهم من أزهقت روحه هناك بغير حق، والتهمة كانت على الدوام المس بالمقدسات أو بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي، أو التخطيط لقلب النظام. كان هذا سائدا فيما يُنعت حاليا بالعهد القديم، عهد دار المقري وتازمامارت ودرب مولاي الشريف و… آنذاك ساد ظلم خاص تفرعت عنه بشاعات استهدفت سحق الصفة الإنسانية والدوس على صفة المواطن، جملة وتفصيلا، باعتماد أساليب قمع شرسة وهمجية أحيانا وسلسة أحايين أخرى.إن التطورات التي عرفها المغرب أكدت بما فيه الكفاية، على مسار التضييق المتزايد للحريات وتعميق تكريس القمع الأعمى على امتداد العقد السادس والسابع والثامن من القرن العشرين في ظل تمويه الطابع الفردي للحكم. وقد شهد عهد الملك الراحل الحسن الثاني مواجهات بين الملكية المطلقة وقوى شعبية معارضة، وكان الرد على الدوام هو القمع الممنهج.لقد سبق للمفكر الفرنسي "جون جوريس" أن قال في مطلع القرن العشرين: "تأتي الثورات عادة نتيجة لغياب الإصلاحات، بل نتيجة لإحباط آمال الجماهير في الإصلاحات التي وعد النظام القائم بها"، وهذا ما حصل بالمغرب على امتداد عهد الملك الراحل الحسن الثاني. لذلك بعد وفاته، في نهاية القرن الماضي، تركزت جميع التطلعات على إجراء تغيير فعلي في شخص ابنه الملك محمد السادس الذي لقب بملك الفقراء منذ الشهور الأولى لاعتلائه العرش، وبدا أنه مستعد للقطع مع ميراث أبيه فيما يتعلق بنهج الحكم والتدبير، في هذا السياق خلع إدريس البصري وزار منطقة الريف وأقر بكشف حقائق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، آنذاك بدأ ثلة من المثقفين يحلمون بانتقال ديمقراطي على الطريقة الإسبانية، لكن الملك محمد السادس أكد في خطابه الثاني سنة 1999 بعد جلوسه على العرش أنه سوف يستمر في ممارسة سلطاته الدستورية كاملة غير منقوصة كما كان عليه الحال في عهد أبيه، وبذلك لم يدع أي مجال لأدنى لبس فيما يتعلق بذلك الحلم.على امتداد سنوات طوال تضرر الكثير من المغاربة من الإرهاب الذي كانت تمارسه الدولة، عندما كانت تختطف الأبرياء وتعذبهم وتحاكمهم وتصدر في حقهم عقوبات الإعدام والمؤبد في محاكمات صورية، وكان آنذاك من غير الممكن التخلص من إرهاب الدولة هذا إلا بالإقرار بدول الحق والقانون، لكن لم يسبق الإقرار بها بالمغرب منذ 1956 إلى حدود التسعينيات، وأدى ذلك إلى عشرات الآلاف من المتضررين على امتداد هذه الفترة الزمنية.لقد خلق الملك الراحل الحسن الثاني مغربا احتكرت فيه حفنة من الأفراد أغلب الثروات، شاع فيه البؤس والبطش و"إبادة" جملة من المناضلين المخلصين وحركاتهم من أجل غد أفضل، وذلك باعتماد موجات قمع متلاحقة.آنذاك كانت الملكية تمر عبر سلسلة من الأزمات الخطيرة بفعل التحركات النضالية الجماهيرية والإضرابات الكثيفة، وعانت من محاولتين انقلابيتين 1971 (الصخيرات) و1972 (الهجوم على الطائرة الملكية).تميز عهد الملك الراحل الحسن الثاني بكثرة الاحتجاجات والتمردات الشعبية، إذ كان لكل عقد من الزمن نصيبه، للخمسينيات نصيبها (عندما كان الملك الراحل وليا للعهد)، وكذلك الشأن بالنسبة للستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات أيضا. والراصد لهذه التمردات والاحتجاجات جراء تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومظاهرات المتضررين، يلاحظ أنها كادت أن تكون دورية على امتداد العهد الحسني رغم خنق مساحات الحرية المتاحة آنذاك.من الأوصاف التي وصف بها الملك الراحل الحسن الثاني، صانع البساتين المحروسة، وقد سبق لأكثر من جهة ومصدر أن وصمت عهده بمرحلة التنكيل بالمغاربة بدليل وجود "آكل البشر" تازمامارت ومعتقل درب مولاي الشريف مرورا بمختلف المعتقلات السرية والنقط الثابتة وفيلات التعذيب والاحتجاز القسري، إذ لم يخل إقليم من أقاليم المغرب، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، إلا وكان يحتضن معتقلا سريا ومكانا للاحتجاز القسري.يستعصي على المرء وصف مغرب الحسن الثاني، فقد يبدو مؤمنا إلا حد التطرف، ومنفتحا إلى حدود التغريظ، متعددا وأحاديا في ذات الوقت، لكنه ظل مطبوعا بالقمع، فكيف قمع الملك المغرب؟أساليب القمع وقوانين على مقاس خاصمسك النظام بعصا القمع لضرب كل من عارضه في نهج تدبير شؤون البلاد والعباد، ومن المفارقات التي طبعت المغرب على امتداد عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تصاعد القمع والتخويف والترهيب، ورغم ذلك ظلت التمردات الجماهيرية حاضرة على امتداد ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لأن امتصاص الثروات من طرف أقلية ظل سائر المفعول وانتشر الفساد والظلم والجهل.وصمت مرحلة ما بين 1961 ونهاية الثمانينيات بسحق جميع أشكال الاحتجاج، وبقيت هذه الفترة الزمنية الطويلة مطبوعة بالاعتقالات المكثفة ضد المعارضين والمحاكمات الصورية والإعدامات على هامش القانون والموت البطيء الممنهج في المعتقلات السرية والتعذيب كأسلوب أساسي لمختلف السلطات الأمنية والاستخباراتية بالبلاد.استغلال بشع، بطالة مستشرية، قمع خطير وبيع البلد للرأسمال الإمبريالي.. هكذا وصف جملة من المحللين الاقتصاديين مغرب العهد الحسني.اشتدت الحملات على رجال الرأي والفكر والسياسة، اعتقالا وسجنا وتشريدا وقهرا واضطهادا وقمعا..وعلى امتداد 38 سنة ظل النظام يذكر المغاربة بالنهج الاستبدادي المعتمد، بدءا من الستينيات إلى نهاية الثمانينيات، إذ أصر المخزن على إعادة اجترار الفترات التاريخية التي عاشتها بلادنا من 1961 إلى منتصف التسعينيات، إذ أن كل فئات الشعب وشرائحه واتجاهاته الفكرية والسياسية انكوت، بشكل أو بآخر، بترسانة أنواع القمع والتعذيب والتنكيل المعتمدة، وبذلك قدر بالآلاف من اضطهدوا وظلموا ونكل بهم.على امتداد العهد الحسني خيم القمع الشرس على الوضع السياسي، إذ تكاثر عدد المعتقلين والمختطفين السياسيين، إذ كانوا يعدون بالمئات في صفوف اليساريين، علما أنه بالنسبة للمعتقلين الإسلاميين كان عددهم ضئيلا جدا، ولم يكن داخل السجن في السبعينيات إلا المتهمون في ملف اغتيال عمر بن جلون. وكان من بين المختطفين البارزين آنذاك المهدي بن بركة والرويسي والمانوزي، إضافة إلى المختطفين العسكريين الذي زج بهم في جحيم "تازمامارت" والمختطفين المدنيين الذين أقبروا في معتقلات سرية في مختلف ربوع البلاد. كما اضطر الكثيرون لمغادرة البلاد قسرا، إلى فرنسا بالخصوص، وبلجيكا وإسبانيا وألمانيا أو إلى الجزائر، إنها فترة الانتهاكات الجسمية لحقوق الإنسان بامتياز.بلغت أساليب القمع والتنكيل المعتمدة على امتداد 38 سنة رعونة وبشاعة أقر بها الكثيرون حاليا.لقد ساد القمع غير المنضبط، إلى حد أن بعض المحللين وصف أمن واستقرار المغرب آنذاك كاستقرار وأمن الفأر في جحره.إن المتتبع لتصاعد أساليب القمع خلال هذه المرحلة وظروف عيش أغلب المغاربة، يستنتج بسهولة بأن حياة الإنسان المغربي – ذكرا كان أم أنثى، طفلا كان أو مسنا – هي أهون في نظر القائمين على الأمور من أي شيء آخر. فكم من مغربي راح ضحية للقمع والتنكيل، ولم تحرك أي جهة رسمية ساكنا؟ وكم من المغاربة فارقوا الحياة في معتقلات التجويع وزنازين التعذيب وسجون التأديب والمقابر الجماعية غير المكتشفة بعد؟ تظل هذه الأسئلة وغيرها قائمة باعتبار أن الحصيلة لم يكشف عنها رغم المجهودات التي قامت بها هيئة الإنصاف والمصالحة والفعاليات الحقوقية.ومن تجليات صفة الإنسان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الإهمال القاتل والفساد الفتاك..، إذ أن نصيب النفقات في المجال الصحي ظلت متدنية، قس على ذلك مختلف القطاعات الأخرى في المجالات الاجتماعية، وهذا حتى حينما كانت الحكومة تقر بأن اقتصاد البلاد بخير وأنه حقق نسبة عالية من النمو، إن الطابع الأساسي "للقمع الاجتماعي"، على امتداد هذه الفترة، تجلى في تهميش الإنسان المغربي وضرب حياته وجودتها، وتغييب التركيز على المشاريع والقرارات التي كان من المفروض أن تكون في خدمة الإنسان، وبذلك أصبحت الدولة والسلطة والمال أهم من حياة المغاربة منفردين ومجتمعين. لذلك نادى الكثيرون بضرورة قلب الآية ليصبح الإنسان المغربي، مفردا ومجتمعا، هو مركز الاهتمام ومحور النشاط لتصبح جميع الأمور الأخرى أداة لتأمين حياته وجودتها، لاسيما حق الإنسان في الحياة والصحة والعمل والأمن والآمان انطلاقا من القاعدة القائلة بأن "حقوق الإنسان" هي أصلا من واجبات الملك، إذ كان هذا هو السبيل الأجدى ليلتحق الإنسان المغربي بركب الحضارة التي يصبو اليوم للهجرة إليها، ولأنه ما لم تتغير جذريا نظرة الدولة إلى حياة الإنسان المغربي وجودتها سيظل "مستقبل المغرب نسخة طبق الأصل للماضي"، وربما أسوأ منه، فلا يمكن أن تظل حياة الإنسان أرخص بضاعة.ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني تكرس الخوف، إلى أن أضحى منظومة حاضرة بآلياتها وسلوكياتها، وهذا ما نعته الدكتور المهدي المنجرة بالخوفقراطية المرتبطة بالذلقراطية والفقرقراطية. آنذاك كان الكثير من المغاربة لا يكشفون عن أفكارهم خشية أن تؤدي بهم إلى الاعتقال والتعذيب والسجن، العلني أو السري. آنذاك كان مجرد الخوض في السياسة مغامرة كبيرة. ولا زال سجناء الرأي في السبعينيات (سجن غبيلة) يتذكرون كيف كان ينظر إليهم سجناء الحق العام وإدارة السجن كأنهم اقترفوا جريمة ما بعدها جريمة، باعتبار أن مجرد الخوض في السياسة حينئذ كان مخاطرة كبيرة جدا بفعل القمع الممنهج والاستبداد.كانت القاعدة هي البطش بالرأي المغاير، ووصلت درجة الاستبداد إلى حجز جريدة "المحرر" لمجرد أن أحد صحافييها استعمل عبارة "ال
المزيد


















